سؤال يردده كثير من الغزيين في ظل انتشار الشائعات والتصريحات المتتالية لعدد من السياسيين والعسكريين في إسرائيل، حول استعدادات الجيش لتجديد الحرب على غزة بذريعة استكمال تحقيق أهدافها. وهم معذورون في ذلك؛ فقد عاشوا ويلات حرب ليست ككل الحروب، بل إن التاريخ، حديثه وقديمه، لم يشهد لها مثيلًا. فقد تجاوز الاحتلال فيها كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والقوانين الدولية، بما في ذلك قوانين الحرب.
كيف لا، وهم مدنيون عُزّل يجدون أنفسهم في مواجهة ترسانة عسكرية ضخمة، مدعومة بجسور بحرية وجوية محمّلة بأحدث الوسائل القتالية الأمريكية؟
وكيف لا، وقد عانوا ألم الفراق ومرارة الخذلان من الأمتين العربية والإسلامية، اللتين اكتفتا بدور المتفرج، ولم يتجاوز حضورهما حدود التنديد والشجب وإصدار البيانات؟
أدرك أن ما سأكتبه قد يُعد مجازفةً قد تمسّ بمصداقيتي لاحقًا، في ظل واقعٍ يشبه “الرمال المتحركة” لكثرة ما يشهده من تسارع في الأحداث وتقلبات، مع غياب الاستقرار الدولي. ومع ذلك، فإن المسؤولية الوطنية والمهنية تقتضي أن يكون لنا موقف ودور في تهدئة المجتمع الغزي، الذي عانى ولا يزال يعاني من تداعيات هذه الحرب القاسية، ؛ لاسيما وأننا نشهد حملة ممنهجة يقوم بها الاحتلال عبر أدواته وأذرعه الرخيصة لتحطيم الروح المعنوية وترسيخ واقع يدفع الغزيين للتفكير الجدي بالهجرة.
إن ما أستطيع قوله، بناءً على متابعة تطورات المشهد الإقليمي والدولي وحيثياته قدر الإمكان، هو أن احتمالات عودة الحرب على غزة بكثافة عالية ضئيلة جدًا؛ لا سيما أن القوة العسكرية، مهما امتلكت من قدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة، تظل خاضعة لضوابط وقيود سياسية وعسكرية.
الضوابط:
أ. التحول الجذري والعلني في موقف الشارع الأوروبي والأمريكي تجاه إسرائيل، وترسّخ صورتها النمطية بوصفها “شرير العالم”، ما يقوّض فرص حصولها على شرعية دولية تمكّنها من استخدام القوة العسكرية اللازمة لتجديد الحرب على غزة بكثافة عالية. ويتجلى ذلك في استطلاعات الرأي والدراسات المتتالية التي تؤكد تراجعًا كبيرًا في مكانة إسرائيل الدولية في ظل حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو.
ب. شبه انعدام الشرعية المحلية، وتزايد قناعة شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي بأن حكومة نتنياهو تخوض الحروب لاعتبارات سياسية ومصالح شخصية، بهدف التهرب من الأزمات الداخلية؛ ما يجعل الإقدام على هذه الخطوة أشبه بورقة مكشوفة وخاسرة أمام خصومه .
ت. صعوبة تحقيق أهداف الحرب المتمثلة بالقضاء النهائي على فصائل المقاومة في غزة، وهو ما يحظى بشبه إجماع لدى المحللين السياسيين والعسكريين؛ بل إن كثيرين باتوا يرون أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها قد يقود إلى نتائج كارثية سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا.
ث. حالة الإنهاك التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي نتيجة تداعيات أطول حرب في تاريخه، وما رافقها من كلفة اقتصادية واجتماعية وعسكرية مرتفعة.
ج. إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار مع لبنان أثناء انعقاد الكابينت، وقبل مصادقته على الاتفاق، يعزز ادعاءات العديد من المحللين بأن الحكومة الإسرائيلية فقدت جزءًا من استقلالية قرارها أمام الإرادة الأمريكية، التي تتحرك وفق المصلحة الأمريكية أولا وأخيرا ؛ ما يعني أنها ستفقد قدرتها على العمل العسكري في حال تعارض ذلك مع مصلحة ترمب الذي بات يدرك مدى تأثير حرب غزة على الشارع الأمريكي وما يترتب عليه من زيادة فرص خسارة الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية.
ح. إدراك نتنياهو لخطورة فشله في تحقيق أهداف الحرب، وقناعته بأن ما لم يتمكن من تحقيقه على مدار عامين ونصف لن يحققه خلال أشهر معدودة؛ لا سيما أن أي فشل جديد سيشكل مادة سياسية دسمة لخصومه.
خ. التزام فصائل المقاومة في غزة ببنود الاتفاق، وربط مسألة نزع السلاح بإنهاء الاحتلال، ما يصعّب على نتنياهو تبرير تجديد الحرب أمام المجتمعين المحلي والدولي.
الخلاصة:
قد يرى نتنياهو أن مقتضيات المرحلة ومصلحته السياسية تدفعانه إلى تجنب تجديد الحرب على غزة بكثافة عالية، والاكتفاء باستمرار الخروقات الاعتيادية لاتفاق وقف إطلاق النار ؛ لتجنب الفشل المحتمل وتفادي مراكمة الإخفاقات وما يترتب عليها من أثمان قد تشكل خطر على مستقبله السياسي.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة مدى تأثير حراك الشارع في الضغط على متخذي القرار وإجبارهم على وقف الحرب على إيران ولبنان؛ فمتى يدرك الشارع العربي والإسلامي أن حراكه، بالتوازي مع الحراك الغربي، قد يكون عاملًا حاسمًا في وقف العدوان على غزة وإلزام حكومة نتنياهو باحترام الاتفاقيات الدولية وتطبيق بنودها؟
أما رسالتي إلى المكلومين في غزة:
اطمئنوا وطمئنوا؛ فحيثيات المشهد الإقليمي والدولي تحمل مؤشرات على بزوغ فجر جديد، وفرجٍ قريب.

