فلسطين أون لاين

لقاء بلا ذاكرة... أمهات يستعدن أبناءهن الخُدّج وقلوب الأطفال لا تتعرّف

...
لقاء بلا ذاكرة... أمهات يستعدن أبناءهن الخُدّج وقلوب الأطفال لا تتعرّف
غزة/ محمد أبو شحمة:

لم يكن المشهد عاديًا، ولا الفرح مكتملًا. أمهات يستعدن أبناءهن بعد فراق قسري دام نحو عامين، لكن الأطفال لا يعرفون وجوههن. بين الدموع والدهشة، تختلط مشاعر اللقاء الأول، حيث تتحقق العودة جسدًا، في حين تغيب الذاكرة والحنين.

"أنا ماما… بنتي ما بتعرفنيش"، بهذه الكلمات الموجعة استقبلت سندس الكرد طفلتها بيسان، العائدة من مصر بعد رحلة إنقاذ قسرية بدأت من داخل مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، حين اقتحمه جيش الاحتلال الإسرائيلي وقصفه وحاصره، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المرضى والجرحى والنازحين.

لم تستوعب الكرد ما يحدث؛ فحين احتضنت ابنتها لأول مرة منذ ولادتها، لم تتعرف الطفلة إليها، بل نظرت إليها بخوف واستغراب. كانت تلك اللحظة الأولى التي ترى فيها أمها، بعد أن أمضت فترة علاجها في مصر برفقة طواقم تمريضية تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية.

Screenshot 2026-04-01 192122.png


 

فرحة الكرد لم تكن استثناءً، بل امتزجت بمشاعر أمهات الأطفال العشرة الذين عادوا إلى قطاع غزة بعد قرابة عامين من العلاج خارج البلاد. غير أن هذه الفرحة اصطدمت بحزن صامت في عيون الأطفال، الذين لم يدركوا من هؤلاء الذين يحتضنونهم، ولا سبب الاحتفالات، ولا معنى الرحلة الطويلة من القاهرة إلى غزة.

وصل الأطفال الخُدّج عبر معبر رفح البري، برفقة طواقم تمريضية أشرفت على رعايتهم طوال فترة علاجهم. وكانوا ضمن الحالات التي أُجلِيت من حضّانات مجمع الشفاء الطبي مع بداية العدوان على غزة، في ظل ظروف صحية بالغة الخطورة، نتيجة الاستهداف المباشر لأقسام الحضانة، والإخلاء القسري للمجمع، إلى جانب النقص الحاد في الإمكانيات الطبية والرعاية المتخصصة لحديثي الولادة.

Screenshot 2026-04-01 192144.png


 

وخلال اقتحام جيش الاحتلال لمجمع الشفاء في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تعرضت أقسامه لهجمات، واعتُقل أفراد من الطواقم الطبية، ونزح المدنيون، فيما قُتل آخرون، ودُمّرت أجزاء واسعة من المستشفى، قبل أن يُعاد اقتحامه بين 18 مارس و1 أبريل 2024، ما أدى إلى خروجه الكامل عن الخدمة.

لحظة اللقاء

جرت لحظات اللقاء داخل مجمع ناصر الطبي، حيث توافد أمهات وآباء الأطفال منذ ساعات مبكرة، على أمل رؤية أبنائهم لأول مرة منذ إخراجهم وهم في أيامهم الأولى.

ومع كل حافلة تدخل إلى المجمع، كان الأهالي يندفعون نحوها، يفتشون الوجوه الصغيرة بحثًا عن ملامح يعرفونها، أو ربما يتعرفون إليها للمرة الأولى.

وبعد انتظار طويل، وصلت الحافلة التي تقل الأطفال الخُدّج، فتجمع المئات حولها من أهالٍ، وطواقم طبية، وصحفيين، في مشهد اختلط فيه الشوق بالفوضى.

كانت الكرد وسط هذا الحشد، عاجزة عن الوصول إلى طفلتها، قبل أن يتدخل أحد المنظمين لمساعدتها على الدخول إلى غرفة الاستقبال.

داخل الغرفة، بدا الوقت ثقيلًا عليها، وهي التي لم تعرف ابنتها إلا عبر صور كانت تُرسل لها من مصر، بعد أن تجاوزت الطفلة عامها الثاني.

وحين دخلت بيسان، لم تلتفت إلى أمها، ولم تتعرف إليها، ولم تندفع نحوها كما تخيّلت.

هرولت الأم نحو طفلتها واحتضنتها بقوة، بينما بقيت الطفلة جامدة المشاعر، لا تُبدي استجابة، وكأنها أمام غريبة. كانت تلك اللحظات الأقسى، لتهمس الأم بحسرة: "ابنتي ما بتعرفني".

من جانبه، أكد مدير مستشفى الولادة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، أن الأطفال كانوا ضمن مجموعة من الخُدّج الذين أُجلوا من مستشفى الشفاء خلال اقتحامه في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مشيرًا إلى أن عددًا منهم توفي خلال الاقتحام، فيما توفي آخرون خلال رحلة العلاج في مصر، نتيجة الظروف الصحية المعقدة.

وأوضح الفرا أن عملية الإجلاء كانت "بالغة الصعوبة"، حيث جرت رعاية الأطفال بوسائل بدائية في ظل انهيار المنظومة الصحية، قبل نقلهم إلى مصر لتلقي العلاج المتخصص.

وأضاف أن الأطفال خضعوا للفحوصات فور وصولهم إلى مجمع ناصر، وهم "بحالة صحية جيدة"، لكنهم لا يزالون بحاجة إلى رعاية خاصة ومتابعة مستمرة.

المصدر / فلسطين أون لاين