فلسطين أون لاين

تقرير من حضّانات الحرب إلى حضن الوطن... أطباء غزة يكتبون "حكاية طيبين" بين الفقد والنجاة

...
وصول 11 طفلا كانوا خدجا عند إجلائهم من مجمع الشفاء في غزة إلى مصر عبر معبر رفح
غزة/ محمد حجازي

لم تكن رحلة علاج، بل حكاية نجاة طويلة كُتبت بدموع الأطباء قبل الأطفال. أكثر من عامين من الغربة القسرية عاشها 28 طفلًا خديجًا، حملوا هشاشة الحياة في أجسادهم الصغيرة، في حين تولّى أطباء من غزة مهمة استثنائية: أن يكونوا أطباء… وآباء… وأمهات في آنٍ واحد، بعيدًا عن وطن يئن تحت القصف.

في مستشفيات مصر، كانت الأجهزة تعمل بهدوء، لكن قلوب الأطباء لم تعرف السكون. كانوا يراقبون أنفاس الأطفال، وفي الوقت ذاته يترقبون أخبار عائلاتهم وزملائهم في غزة، حيث الحرب لا تهدأ، والخسارة احتمال يومي.

إصرار يولد من تحت الركام

في الأيام الأولى للحرب، داخل مستشفيات غزة، كان إنقاذ الخدّج معركة يومية. يروي الدكتور محمود عفانة لـ "فلسطين أون لاين": "كنا نعمل ليل نهار دون توقف، نؤمن أن كل طفل بين أيدينا أمانة. كنا نصارع الزمن لتوفير الأكسجين والتدفئة مع انقطاع الكهرباء، وكل طفل ينجو من ليلة قصف كان انتصارًا لنا".

5938132409935138104.jpg

الطبيب محمود عفانة

لم تكن الظروف تسمح بالعمل الطبي الطبيعي؛ نقص الإمكانيات، ضغط الإصابات، والخطر المستمر، لكن ذلك لم يكسر عزيمتهم. بل زادهم إصرارًا على إبقاء هؤلاء الأطفال على قيد الحياة.

رحلة بلا وداع

في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تغيّر كل شيء. غادر الدكتور عفانة إلى مصر بشكل مفاجئ، دون وداع عائلته، في مهمة قيل إنها لن تتجاوز عشرة أيام. لكنها امتدت لأكثر من عامين.

يقول: "لم نحمل حقائب سفر، بل حملنا أرواحًا. كل همّنا كان إيصال الأطفال إلى الأمان، بينما قلوبنا بقيت معلّقة في غزة".

رحلة مشابهة عاشها الدكتور بلال الطباسي وزملاؤه، الذين رافقوا الأطفال من مستشفى العريش إلى مستشفيات القاهرة، في مهمة ثقيلة عنوانها الحياة.

حين يصبح الطبيب عائلة

لم تقتصر المهمة على الرعاية الطبية. داخل غرف العناية، تحوّل الأطباء إلى عائلة بديلة. يقول الطباسي لـ "فلسطين أون لاين": "كنا الأب والأم لهؤلاء الأطفال. لم نكتفِ بالعلاج، بل حاولنا تعويضهم عن حنان حُرموا منه".

لكن الرحلة لم تخلُ من الألم. سبعة أطفال فقدوا حياتهم رغم كل الجهود. "كنا ننكسر مع كل طفل نفقده"، يقول الطباسي، "دفناهم في مصر، بعيدًا عن أمهاتهم، وتركوا غصة لن تزول".

5938132409935138105.jpg

الطبيب بلال الطباسي

في الوقت الذي كان فيه الأطباء يؤدون مهمتهم، كانت عائلاتهم في غزة تواجه الحرب. القلق كان رفيقهم الدائم.

يقول الطباسي: "كنت أتابع هاتفي لساعات، أنتظر اتصالًا من عائلتي. خلال المجاعة، كنت أسأل نفسي: هل أطفالي بخير؟ هل يجدون ما يأكلونه؟".

أما عفانة، فكان يتابع نزوح عائلته: "أن تعيش عائلتك في خيمة تحت القصف وأنت بعيد، شعور بالعجز لا يُحتمل".

اللقاء عبر شاشة

بعد أشهر طويلة، بدأت خيوط التواصل بين الأطباء وأهالي الأطفال عبر "واتساب". صور ومقاطع فيديو كانت الجسر الوحيد بين الأم وطفلها.

يقول عفانة: "كانت مشاعر الأهالي مختلطة؛ فرح بنمو أطفالهم، وحزن لأنهم بعيدون عنهم. بعض الأطفال فقدوا والديهم، فكنا نحن أهلهم".

اقرأ أيضًا: عودة 11 طفلًا خدجًا إلى غزة بعد إنهاء علاجهم عبر معبر رفح

مساء أول من أمس، أسدل الستار على هذه الرحلة الطويلة. في مجمع ناصر الطبي، عادت الحياة لتلتقي بأصحابها، في مشاهد اختلط فيها البكاء بالعناق.

عاد الأطباء برفقة 11 طفلًا اشتد عودهم، في ما وصفوه بـ"انتصار الحياة على الموت".

لكن القصة لم تنتهِ. فخلف لحظات الفرح، بقيت ذاكرة الفقد حاضرة، وظلّت المسؤولية أكبر.

يقول الأطباء في ختام رحلتهم: "عدنا لنكمل المشوار في غزة. ميداننا يحتاجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، وسنبقى أوفياء لرسالتنا مهما كانت التضحيات".

المصدر / فلسطين أون لاين