فلسطين أون لاين

خطوة ما بين زئير الأسد واحتضاره

إطلاق حكومة الاحتلال اسم "عملية زئير الأسد" على الحرب ضد إيران لم يكن قرارًا عفويًا عابرًا؛ بل نتيجة مباشرة لحالة الغرور التي شعرت بها قيادتها السياسية والعسكرية، وبناءً على رغبتها الجامحة للتحرر من بوتقة الكيان الوظيفي إلى دولة عظمى إقليميًا ودوليًا "أسد الغابة يفرض السيادة".

وقد اعتقدت بأن احتجاجات الشارع الإيراني والصمت الدولي أمام جرائمها المتواصلة في غزة ولبنان وسوريا يمثل فرصة نادرة لإحداث تغيير جوهري في الشرق الأوسط وإعادة صياغته بما يتماشى مع رؤيتها وطموحاتها السياسية وأطماعها الاقتصادية.

كما ساهم في ذلك تقديرات موقف أجهزتها الأمنية التي تحدثت عن قدرتها على تحريك الشارع الإيراني خلال أيام معدودة للخروج بمظاهرات حاشدة ضد النظام الإيراني، بالتزامن مع توجيه ضربات موجعة تتمثل باغتيال قيادته السياسية والعسكرية وتدمير مقراته تمهيدًا لإسقاطه، عدا عن التعويل على توريط دول عربية وأوروبية وإيقاعها في شرك الحرب مع إيران لتصدر المشهد وتقوم بإنهاء مهمة إسقاط النظام نيابة عن إسرائيل والولايات المتحدة، لتخفيف أعباء الحرب عنها وجني المكاسب السياسية والاقتصادية لاحقًا.

مما لا شك فيه بأن نتنياهو قد تمكن من تحقيق أهدافه السياسية الشخصية من حربه على إيران، فقد نجح في تحويل الأنظار عن القضايا الداخلية الشائكة، عدا عن التهرب من كابوس المحكمة الذي يلاحقه في قضايا الفساد الأربع المتهم بها، أضف إلى ذلك إسكات المعارضين أو على الأقل تحييدهم وخفض انتقاداتهم.

إلا أنه رأى ورفاقه في حكومة اليمين المتطرف في الحرب على إيران وسيلة فعالة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى تمكن إسرائيل من السيطرة على مضيق هرمز للتحكم في اقتصاد العالم؛ إلا أنهم تجاهلوا بأن هذه الأحلام قد تتحول في لحظة ما إلى أوهام؛ بل ربما كارثة يدفع المجتمع الإسرائيلي ثمنها اقتصاديًا واجتماعيًا.

فما بين حلمه بتحقيق أهداف الحرب المتمثلة بالقضاء على النظام الإيراني واستبداله بنظام جديد يساعده على إزالة التهديد النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية، وبين ما يحدث على أرض الواقع فجوات وفجوات؛ وقد تجلى ذلك باعتراف العديد من المحللين السياسيين والعسكريين بصعوبة، بل استحالة، تحقيق هذه الأهداف في ظل تطورات وتعقيدات الحرب أمام إيران، لا سيما وأنها نجحت في تحويلها من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف مكلفة ومنهكة لكليهما سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا – ومن أراد التأكد فليقرأ ما كتبه المحلل العسكري ألون بن دافيد عن حالة الإنهاك التي بات يعاني منها سلاح الجو الذي يعتبر الذراع الاستراتيجي الطولي لإسرائيل، وليتابع التقارير التي تتحدث عن تكلفة الحرب التي تصل إلى 60 مليار شيكل حتى اللحظة، وهي تشكل ثلاثة أضعاف تكلفة الحرب على إيران في يونيو الماضي.

إلا أن الكابوس الأخطر الذي يخشى منه نتنياهو وحكومته هو إمكانية رضوخ الإدارة الأمريكية للضغوط الداخلية والخارجية، والموافقة على إنهاء الحرب قبل أن تتمكن حكومة نتنياهو من تحقيق أهدافها؛ لما لهذه الخطوة من كارثية على إسرائيل وعلى مستقبل نتنياهو السياسي.
ما يعني أن الأسد قد ينتقل بين عشية وضحاها من حالة الزئير إلى حالة الاحتضار.

كيف لا وقد بنت حكومة نتنياهو على سهولة تحقيق الانتصار أمام إيران، وما يترتب عليه من نجاحها في التأكيد على تفوقها العسكري الذي سيدفع المزيد من الدول العربية للهرولة نحوها طالبة العفو والانضمام إلى قائمة دول التطبيع، عدا عن تعزيز مكانتها الدولية التي ستفتح لها أبواب الأسواق العالمية على مصراعيها، طالبة الرضا والقرب من السيد اليهودي.

إن مجرد صمود النظام الإيراني ونجاحه في الحفاظ على بقائه سيكون بمثابة انتصار له، وانكسار وبدء الانهيار لحكومة نتنياهو، لا سيما وأنه بات يعد العدة لخوض معركة الانتخابات القادمة، ولن يجد حينها ما يقدمه للجمهور الإسرائيلي، ولن يكون بإمكانه تبرير الفشل في تحقيق الانتصار المطلق أمام غزة، أو التغطية على إخفاقات السابع من أكتوبر، أو الادعاء بأنه تمكن من القضاء على تهديد حزب الله وإسقاط النظام في إيران.

كما أن فشله في تحقيق الحسم أمام إيران سيسلب منه القدرة على التحرر من بوتقة الدور الوظيفي والظهور كدولة عظمى إقليميًا ودوليًا، وسيفقد إسرائيل فعالية التفوق العسكري وإمكانية تحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية التي حلمت في الحصول عليها بعد انتصارها في الحرب على إيران.

لا سيما وأن مبدأ التفوق في جميع المجالات يمثل ركيزة أساسية في نظرية أمنها القومي باعتبارها سلسلة متكاملة ومترابطة، وأن نجاحها في أحد المجالات مرهون ببقية المجالات، وسقوطها في إحداها سيكون بمثابة سقوط مدوٍ كحجارة الدومينو.

إدراك الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية لحقيقة صعوبة تحقيق الأهداف أمام إيران دفعها لخفض مستوى التوقعات وبدء الحديث عن إمكانية الاكتفاء بإضعاف النظام بدلًا من إسقاطه، والاكتفاء بعرض الإنجازات العسكرية الأولية للخروج من ورطة الحرب وتجنب دفع ثمن الاستمرار فيها بدون فائدة.

المصدر / فلسطين أون لاين