في صباحٍ عادي في الضفة الغربية، لا يبدأ اليوم بسؤالٍ سياسيٍّ كبير، بل بسؤالٍ صغير: كم حاجزًا سأعبر؟ كم ساعة سأنتظر؟ وهل سأصل أصلًا؟ ثم يأتي سؤالٌ آخر لا يقل قسوة: هل يوجد راتب هذا الشهر؟ وفي غزة، يبدأ الصباح بسؤالٍ صغير أيضًا: هل سأستلم مساعدةً هذا الشهر لأطعم أطفالي؟ هل دخلت الخيام؟ هل ستدخل الكرفانات أم لا؟
هذه الأسئلة “الصغيرة” ليست تفاصيلَ هامشية؛ إنها شكلٌ من أشكال السياسة حين تتحول الحياة إلى سلسلة من الأذونات: إذنٍ للمرور، إذنٍ لإدخال الطعام، إذنٍ للعلاج، إذنٍ لإعادة البناء… بل إذنٍ للكلام نفسه أحيانًا. وحين تُدار حياة الناس بهذه الطريقة، لا يعود الاحتلال مجرد سيطرة على الأرض؛ يصبح نظامًا يصنع النتيجة مسبقًا عبر التدرّج: هندسة استسلام تُحوِّل الحقوق إلى مكافآت، والمكافآت إلى شروط، ثم تجعل الشروط قابلة للتمدد بلا سقف.
من خلال هذا اللاسقف بات المشهد الفلسطيني لا يُفهم بوصفه احتلالًا “يدير” الناس بأدواته التقليدية فقط—الحاجز، الاقتحام، التصريح—بل بوصفه نظامًا يصنع نتيجة سياسية مسبقًا عبر التدرّج. وما يبدو متناقضًا ظاهريًا بين الضفة وغزة—ضمٌّ بطيء هنا، ومطالب أمنية هناك—هو في العمق مساران متوازيان لغاية واحدة: تقليص أي معنى لوجود فلسطيني سياسي مستقل داخل الأرض، وتفريغ فكرة “القدرة” من مضمونها، ثم الانتقال إلى مستوى أخطر: ضبط الوعي وحدود الكلام، وتغيير الرواية.
منذ أوسلو، كانت الرواية والفكرة المعلنة هي “الخطوات المتبادلة” ضمن مراحل انتقالية تنتهي بتسوية. لكن التجربة علّمت الفلسطينيين أن “المرحلة” قد تصبح إقامة دائمة، وأن “التبادلية” قد تنقلب إلى شروط أحادية الاتجاه: على الفلسطيني أن يقدّم البرهان تلو البرهان—أمنًا، ثم أمنًا أكثر، ثم “مكافحة تحريض”، ثم إعادة تكييف مؤسسات وخطاب—بينما تبقى استحقاقات الطرف الأقوى مؤجلة، تُقدَّم كممكنات (احتمالات) مرنة: “سنفعل عندما… إذا… بشرط أن…”؛ أي أنها تتحول من التزامٍ محدد إلى وعدٍ مشروط قابل للتأجيل والمماطلة وإعادة التفسير.
أخطر ما في هذه الهندسة أنها لا تحتاج قرارًا واحدًا يعلن “إلغاء” السلطة أو “إلغاء” أي أفق سياسي. يكفي أن تُدار الضفة بمنطق: سلطة موجودة شكليًا لكن بلا أدوات، وأن تُدار غزة بمنطق: تهدئة ممكنة لكن بلا ضمانات. في الضفة، يمكن أن تُترك المؤسسات قائمة بينما تُسحب منها الموارد والصلاحيات والحركة، فتتحول من “حُكم” إلى جهاز يطارد الأزمات، ثم يُسأل بعد ذلك: “لماذا فشلتم؟”. وفي غزة، يمكن أن تُمنح فترة هدوء ثم تُربط الحياة كلها بملف قابل للتمدد اسمه “نزع السلاح”—حتى لو لم يعد هناك “سلاح ثقيل” يهدد إسرائيل—فيصبح المقصود سياسيًا ليس إزالة تهديد قائم بقدر ما هو كسر آخر ما تبقى من معنى الرفض.
وهنا تظهر أداة مهمة يمكن أن نسميها أداة اقتصاد الطاعة. ما يجري في الضفة من تضييق مالي وتآكل اقتصادي—من رواتب تتأخر، وخدمات تتراجع، وسوق يختنق تحت قيود الحركة والاقتطاعات—يقابله في غزة شكل آخر من التحكم بالرزق: المساعدات، المعابر، الكهرباء، المواد الأساسية. في الضفة اسمها “مقاصة” و”عوائق” و”منع تصاريح”؛ وفي غزة اسمها “فتح المعابر” و”إدخال الشاحنات” و”الإغلاق المؤقت”. لكن الجوهر واحد: تحويل الحد الأدنى من الحياة إلى ورقة ضغط سياسية، بحيث يتعلم المجتمع أن البقاء ذاته مرتبط بـ”حسن السلوك” وفق تعريف الطرف الأقوى. وهذه هي نقطة الانزلاق: عندما يصبح الخبز مشروطًا، يصبح كل شيء قابلًا لأن يُشترط لاحقًا.
ثم يأتي المستوى الثاني: الأمن كمعيار سياسي. في الضفة يُطلب من السلطة أن تثبت يوميًا أهلية وجودها عبر ضبطٍ أمني وتنسيقٍ واعتقالات ومنعٍ لأي خطاب قد يُقرأ “تحريضًا”، وكأن بقاء الكيان الإداري مرهون باستمرار أداء وظيفة أمنية لا تنتهي. وفي غزة يُطلب من المجتمع أو من القوة المسيطرة فيه أن تسلّم السلاح، ثم تُفتح بقية الملفات “لاحقًا”. وهذه “لاحقًا” هي المشكلة. لأن شرطًا يُصاغ بلا خط نهاية—لا تعريف نهائي لما يعنيه الاكتمال، ولا جهة تحكيم مستقلة، ولا ضمانات متزامنة—يتحول إلى فخ امتثال: كلما اقتربت من تلبية الشرط، اتسعت قائمة التفاصيل التي يجب إثباتها. قطعة لم تُسلّم، سلاح شخصي لم يُحصَ، “نية” لم تُطمأن لها، “شبكة” لم تُفكَّك بالكامل… ثم يُعاد تعريف النجاح مرّة أخرى. والنتيجة أن الفلسطيني يُدفع إلى حالة متواصلة من الدفاع عن نفسه أمام معيارٍ متحرك.
عند هذه النقطة تحديدًا تبدأ هندسة الاستسلام بالانتقال من الخارج إلى الداخل: حراسة الوعي. ما الذي يبقى من عناصر القوة إذا تحولت مطالب الامتثال من السلاح والمال إلى اللغة والكتاب والمنشور؟ في الضفة وغزة معًا، يصبح “التحريض” كلمة مطاطة قادرة على ابتلاع كل شيء: سردية تاريخية في منهج، عبارة على فيسبوك، صورة لمدينة، آية تتصل بالمسجد الأقصى، أو مجرد ذكر “المقاومة” كمفهوم سياسي أو وجداني
ما الذي يمنع الاحتلال من إغلاق معبر غدًا بسبب منشورا؛ كي يصبح الخوف واقعيًا؛ يكفي أن تكون المعابر أصلًا خاضعة لمنطق العقاب والضغط، وأن يكون تعريف “التحريض” قابلًا للتوسع، حتى يتشكل تهديد ضمني: خففوا الكلام… عدّلوا الرموز… اقطعوا الصلة بالمخزون الثوري… وإلا عادت القيود بأشكال جديدة. وهكذا تتحول الرقابة الذاتية إلى سياسة عامة دون إعلان، ويصبح الفلسطيني مطالبًا بتقديم تنازلٍ من نوع جديد: التنازل عن الحق في الحكي.
وما يثبت هذا المنطق أن آلية الاشتراط لا تتوقف عند عنوان واحد. بعد كل تهدئة تظهر كيفية توليد الشروط: يبدأ النقاش وملف رفات الجندي الأخير في غزة كان خير دليل، تفصيل صغير هنا أوهناك—ثم تُستخدم تلك التفاصيل لتأجيل الخطوات الكبرى أو إبطائها: فتحٌ مهين وبطيء، إدخالٌ محسوب، حركةٌ مقننة، ثم يتبدّل العنوان سريعًا إلى شرطٍ جديد: السلاح، ثم “اكتمال” تسليم السلاح، ثم “التحقق” من الاكتمال، ثم “ضمان” عدم العودة. المشكلة ليست في عنوانٍ بعينه، بل في قابلية العنوان للتوالد: عندما يصبح معيار الرضا بيد طرف واحد، يتحول أي نقصٍ أو تأويلٍ أو “معلومة غير مكتملة” إلى بابٍ لإعادة شدّ الخناق. ومن هنا يأتي الخوف المنطقي—لا بوصفه نبوءة حرفية، بل بوصفه نتيجة لطريقة تصميم المسار—أن تتسع دائرة الشروط من العتاد إلى المعنى: من الطلقة إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى المنهج، ومن المنهج إلى المنشور، وربما إلى خطبة الجمعة وعدد المصلين وحدود ما يُقال في المساجد. حين يغيب خط النهاية، يصبح أي تفصيل بدايةً لشرطٍ جديد.
هنا يصبح السؤال الحاسم: ماذا بقي للفلسطينيين من عناصر القوة إذا كان السلاح في غزة قد تآكل ثقيلُه، وإذا كانت الضفة تُسحب من تحتها أدوات الاقتصاد والحركة، وإذا صار الخطاب نفسه تحت الضغط؟ الإجابة ليست رومانسية ولا عسكرية. ما تبقى هو ثلاثة أشياء إذا تآكلت سقط كل شيء: وحدة الساحة، ووحدة الرواية، وحدود التنازل. وحدة الساحة تعني رفض تحويل غزة إلى ملف أمني منفصل والضفة إلى ملف إداري منفصل؛ لأن فصل الملفات يسمح بفرض شروط مختلفة على كل جزء حتى يفقد الشعب قدرته على التفاوض ككل. ووحدة الرواية تعني ألا يتحول الحق إلى لغة خجولة تستعير مفردات الطرف الأقوى كي تُقبل دوليًا، فتخسر قدرتها على تسمية الواقع. وحدود التنازل تعني وضع خطٍّ واضح: لا قبول بأي “مرحلة” بلا نهاية، ولا بأي شرط بلا ضمانات متزامنة، ولا بأي إعادة إعمار بلا حماية سياسية تمنع إعادة الهدم، ولا بأي تهدئة تُبقي الحياة رهينة المزاج الأمني.
ولكن الأهم من ذلك أيضا يبقى على عاتق القيادة الرسمية فلديها هامش مناورة إذا قررت أن تنقل الصراع من “تفاصيل الامتثال” إلى “أصل الحق”: أي أن تُدوِّل القضية بوصفها قضية تقرير مصير لا ملف إدارة أمنية، وأن تطرح عبر علاقاتها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن مبادرات تُعيد تثبيت هذا الحق، وتُعرّي الضمّ الزاحف والاستيطان وعوائق الحركة باعتبارها وقائع تُقوّض تقرير المصير وتُنهي أي معنى لحلّ سياسي.
غير أن هذا المسار الخارجي يكتسب وزنًا حقيقيًا إذا كان الداخل الفلسطيني غير مشرذم خطابيا على الأقل، أو مبعثر السقوف. فتحتاج الفصائل والقوى إلى وثيقة قصيرة ببرنامج حدّ أدنى—واضح، غير قابل للابتزاز، متوافقة مع أطروحات الجميع، تقوم على ثلاث نقاط: وحدة الجغرافيا السياسية والحقوقية (غزة/الضفة/القدس) ورفض تجزئة القضية إلى ملفات، واعتبار تقرير المصير أصلًا غير مشروط لا يُؤجَّل تحت ذرائع “المرحلة” أو “الظرف”، ورفض الاشتراط المفتوح في الأمن والمعابر والإعمار—أي لا شروط بلا خط نهاية، ولا التزامات تُقدَّم كممكنات مرنة من نوع: “سنفعل عندما… إذا… بشرط أن…”.
بهذه الثنائية—تدويل الحق خارجيًا وتوحيد السقف داخليًا—يمكن تقليص مساحة المماطلة وكسر سُلّم المطالب الذي يتوالد كلما ظنّ الفلسطيني أنه وصل إلى النهاية. فالهندسة لا تُكسر بمناورة واحدة، لكنها تبدأ في الانهيار حين يُجبر الجميع—رسميًا وفصائليًا—على مواجهة سؤال واحد: كيف يطفو حق تقرير المصير على سطح كل تفاوض، وكل خطاب، وكل مقاومة يومية، بحيث يصبح هو البوصلة التي يعود إليها الفلسطيني كلما تاه في متاهة الشروط؟ فالمعركة ليست على “شروط أفضل”، بل على من يضع الشروط، ومن يقرر متى يصبح الحق أصلًا لا جائزة.

