فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۝ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ — الطلاق 3

بساطة العيش ليست ضعفًا، بل بطولةٌ خالصة تعلّمها أهل غزة تحت القصف، حين اختُزلت الحياة في فتات خبزٍ وقليل ماء، وحين صار الغنى أن تجد مأوى لا يُقصف، أو طفلًا لم يمت جوعًا، أو أمًّا لم تُفجع بأبنائها دفعةً واحدة. هناك، حيث يُذبح الناس جماعيًا وتُشطب عائلات من السجل المدني، سقطت المظاهر وبقي الجوهر، وغاب الترف وحضر الشرف؛ الشرف أن تبقى واقفًا، أن لا تمد يدك إلا للسماء، أن تردد وأنت تحدّق في الركام: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أن تكتفي بيقينك لا بما في جيبك، أن تشكر وأنت جائع، وتبتسم وأنت مكلوم، وتعيش كما عاش النبي ﷺ زاهدًا قانعًا، يقول: «مالي وللدنيا؟ إنما أنا كراكبٍ استظل شجرةً ثم راح وتركها».

هناك، حيث يطارد الناس كيس طحين، ويُحرم آخرون لقمة لأنهم بلا واسطة، تعلّمنا أن الكرامة ليست في الكساء، بل في أن لا تُذلّ، ولا تبيع صمودك بلقمة، ولا تركع إلا لله؛ وأن ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ حتى من تحت الردم، وأن ﴿الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، وأن من بات وفي بيته قوت يومه فقد حيزت له الدنيا، ومن بات صابرًا محتسبًا فهو في مقامٍ عالٍ، وأن الغنى أن تستغني، والبطولة أن تصمد، والثورة أن تعيش بسيطًا بكرامةٍ حتى في قلب المحرقة.

بساطة عيشٍ يعلو فيها الهتاف: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ — القصص 88 — شعارًا لأهل غزة وهم يفقدون كل شيء في لحظةٍ خاطفة، في كابوسٍ انقضّ على الرؤوس جميعًا؛ فقد المأوى والمطعم والكفاية، ومع ذلك لا ينقطع الدعاء: «الحمد لله الذي آوانا وكفانا وأطعمنا وسقانا، فكم من لا مأوى له ولا كافي».

هو درسٌ للجميع: عش بسيطًا واكتفِ بالقليل؛ ﴿إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ — الكهف 39 — كما أوصى النبي ﷺ: «ليس للإنسان إلا ما لبس فأبلى، وأكل فأفنى»، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ — الكهف 46. فالغنى ليس تكديسًا، بل كفاية؛ من بات وعنده قوت يومه فقد أُعطي الدنيا، ومع ذلك ففي غزة من لا يجد قوت يومه، ومن مات جوعًا، ومن ابتلعته المجاعة صامتة.

الحساب عند الله ما ادَّخرتَ من عمل، أما ما أبقيتَ فميراثٌ ليس لك، وربما لا يجد من يرثه، إذ في غزة يُمحى النسب ويُشطب الاسم وتُطوى العائلة بكاملها من السجل المدني. أن تعيش بسيطًا زاهدًا قانعًا هو درسٌ عظيم؛ تعيش به راضيًا، وتملك به قدرةً عجيبة على التكيف والصبر والتسليم، مؤمنًا أن ﴿الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ — آل عمران 154 — وأنك عابر ظلٍّ تحت شجرة، كما قال ﷺ: «مالي وللدنيا، إنما أنا رجل استظل شجرة ثم تركها وانصرف».

أن تستغني عن الناس في زمن السَّعة ليس عسيرًا؛ فهو ضمن الممكن والمعتاد، أما أن تستغني في زمن الضيق وقلة ذات اليد، وأن لا تمد عينيك إلى ما مُتّع به غيرك — ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ — الحجر 88 — فهذا هو الامتحان. هو اختبارٌ لنفسٍ عصاميةٍ تأبى اليد السفلى، وتصرّ أن تكون عليا، رغم الكبد والمشقة والسعي الدؤوب لتحري الممكن؛ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ — الطلاق 3 — ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ — الطلاق 2 — ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — البقرة 212.

محرقة غزة بدقائقها الثقيلة، ولياليها القاسية، وأيامها الممدودة كأنها لا تنتهي، امتحانٌ ممتد؛ توقّف العمل ومصادر الدخل، تجمّدت الحياة، وضاعت القدرة حتى على استرداد الحقوق، فلا أجواء المحرقة تسمح بالمطالبة، ولا مصاب الناس جميعًا يترك مجالًا للمراجعة.

مجاعةٌ تضرب البيوت والأحياء والأسواق في شمال غزة؛ لا طعام في الأسواق، والأسعار فلكية، والمساعدات شحيحة، تصل إلى من يلاحقها حتى حافة الموت، أو يلحّ في طلبها، أو يملك حظوةً لا يملكها غيره.

وفي قلب هذا كله، عليك أن تدير شؤون يومك وأهلك؛ لا تملك ثمنًا، ولا تجد سلعة، ولا تزاحم على فتات، وأن تستغني عن الناس، وأن تمضي موقنًا أن الرزق يُدبّر لك من حيث لا تحتسب؛ أن ترى يد الله في العتمة، وأن تثق أن الأمر بيده، وأن ما عنده لا ينفد، وأن البقاء ليس للأقوى عتادًا، بل للأثبت يقينًا.

المصدر / فلسطين أون لاين