فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ الحشر 9

في محرقة غزة، تجلّى العطاء كأسمى وجوه البطولة، لا في ساحات المعركة فحسب، بل في قلوب أنهكها الجوع ووجوه أغرقتها الدموع؛ فصار لقمة الخبز شهادة، وقطرة الماء كرامة، والستر على الفقير ملحمة. ورغم المقتلة والجوع والبرد والتشريد، نهض رجال ونساء من رماد الدمار، يشدّون على جراحهم ويُطعمون غيرهم، يُؤثِرون وهم بأمسّ الحاجة، كأنهم آيات تمشي على الأرض، تفيض كرامة وكرمًا. وفي زمن انكشفت فيه الوجوه وسقطت الأقنعة، بقيت غزة تُفرز ذهبها في الناس؛ فمنهم من صعد إلى علياء المروءة، ومنهم من هوى في ظلمات الأنانية. وهكذا تزلزلت الأرض ولم تزلزل قلوبًا مؤمنة، آثرت أن تكون يد العطاء لا يد الأخذ، سندًا لا عبئًا، لتكتب غزة من جديد فصولها المجيدة بحبر الشرفاء، وتعلن أن الإنسان الحق يُولد من رحم الشدائد، وأنها برغم الجراح، ما زالت تلد رجالًا يضيئون الليل للآخرين ولو احترقوا.

سعادة العطاء لا أعظم منها؛ تفريج كربة إنسان بل حتى حيوان، حتى دخل رجل الجنة بكلب سقاه، والله عز وجل تفضَّل على مسلم يمشي في حاجة أخيه بأن يُفرِّج الله كربته. وهذا العطاء سلوك إنساني يصاحبه شعور فرح بالفطرة، ويتعاظم هذا المعنى في ظل الحاجة الماسَّة ليصل إلى أرقى الدرجات بالإيثار {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ} الحشر 9. ومعنى نفسي لأصحاب العطاء الذين امتدحهم ربنا تبارك وتعالى من الأنصار: امتلاك الشهامة كقيمة، والنخوة كمبادرة، والبادر إلى الأعمال {وَسَارِعُواْ} آل عمران 133.

أيام محرقة غزة الصعبة ولياليها القاسية، وحالة التهجير القسري وفقدان كل شيء، حيث لا حياة لأي من مقوِّمات الحياة حتى البدائية، جعلت الحاجة مُلحَّة وضرورية لجميع أهل غزة الذين تساووا في العوز. والحاضنة الشعبية والجبهة الداخلية في ظل الحاجة الضرورية عانت من ارتباك وخلل، فكانت مبادرة كثير من الخيرين، خاصة في المراحل الأولى، حيث فقدان التوازن سمح بتماسك محدود للحاضنة الشعبية في شمال غزة حتى استوعبت الزلزلة.

وزلزلة محرقة غزة ليست للبناء والعمران فحسب، بل هي زلزلة الإنسان في أخلاقه ومعتقداته وقيمه وسلوكه، خاصة مع سنتي المحرقة العسيرة، حيث فوق المقتلة مجاعة وأمراض أكلت أبناء وأحباب وأصدقاء وجيران وأقارب. والزلزلة حالة تمايز حتى في السلوك الناشئ عنها؛ لذلك لم يكن غريبًا التمايز في السلوك الإنساني والأخلاقي والقيمي بين أهل غزة وقت المحنة، وهي أشد قسوة وبأساء وضراء.

فمثلًا، عند قدوم المساعدات الشحيحة، التي لم تزد عن متوسط 27 شاحنة يوميًّا بعد أن كانت قبل المحرقة 600، والنادر منها ما يصل إلى غزة والشمال حتى ارتقى الشهداء بمجزرة الطحين المتكررة، وأشهرها دوار النابلسي والكويتي، نشأت حالات تدافع وتزاحم وتلاوم وشجارات، وفاقم الأمر ضعف عدالة التوزيع. ومع ذلك تحسَّن الحال كثيرًا من حيث الإدارة والتنظيم، مع إمكانية لمزيد تحسين لتحقيق عدالة للجميع.

ومع شُحِّ العرض والأسعار الفلكية، ظهرت حالات دخول بيوت فارغة وسرقة محتوياتها، تجاوزت الضرورة إلى سلوك سلبي أضاع ممتلكات كاملة. كما استغل بعض التجار الحاجة برفع الأسعار أضعافًا مضاعفة، ونادرًا ما وُجد تاجر حافظ على سعره. وحتى بين الجيران، نشأت خلافات حول موارد نادرة كطاقة شمسية أو بئر مياه، مع تسجيل نماذج تضامن وتكافل راقية في بعض الأحياء.

هذه أمثلة تعبر عن بشرية السلوك الطبيعي في وقت أزمة، لكنها بحاجة إلى تهذيب وضبط. ولا ينفي ذلك وجود نماذج رائعة راقية مبهرة، وهم قلة {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ 13، قدَّموا من حر مالهم على مسيس حاجتهم لأبناء شعبهم، ووفَّروا لأهلهم وجيرانهم ومن هُجِّر إليهم حاجاتهم. وقف آحاد مبادر في شتى مناطق غزة، خاصة في الشمال، في ظل حصار مطبق وتهجير وتدمير شامل، ليخرج للناس مطعمًا في تكيات خيرية، ومنشطًا نفسيًّا، وموجهًا تربويًّا، ومحفِّظًا قرآنيًّا. والله يشهد أن كثيرًا من أصحاب هذه المبادرات ساهم في تماسك الجبهة الداخلية، وهم أنفسهم فقدوا عائلاتهم أو ممتلكاتهم، لكنهم وقفوا جبالًا شامخة، يحتاجون من يشد عضدهم {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} القصص 35.

ولا ينفي ذلك وجود بعض من ترزَّقوا أو جمعوا تبرعات بمبادرات غير حقيقية، وهؤلاء لا ينبغي أن يُشوِّهوا الصورة الكلية، وإن كانت الحالات تحتاج إلى معالجة. وندعوهم إلى التوقف عن أي سلوك سلبي يُسيء إلى المشهد الجمعي العظيم لشعب فلسطين في غزة، الذي رسم صورته بدمائه.

كل ذلك كشف عن قيم سلوكية تربى عليها المجتمع، والتي كانت بحاجة إلى اهتمام أعظم في البناء التربوي لتوفير قدرة أكبر على معايشة محرقة بهذا الحجم. فقد كانت زلزلة المحرقة كاشفة لطبيعة الأشخاص، فظهر أصل المعدن، حيث الناس معادن، وخياركم قبل المحرقة هو خياركم فيها، لكن في ظل محرقة لا مساحيق تجميل، ظهر كلٌّ بوجهه الحقيقي.

المصدر / فلسطين أون لاين