فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: 2)

ليست هذه آية تاريخٍ مضى، بل قانون سننيّ يتكرر كلما استعلى الظلم وتحصّن بالحديد والجدران. حين ظنّت قبائل بني النضير وغيرها أن حصونها تمنعها من قدر الله، لم يكن انهيارها عسكريًا فحسب، بل نفسيًا قبل كل شيء: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، فكان التفكك من الداخل مقدمة السقوط من الخارج. تلك هي سنة التدافع؛ قوة مادية تتضخم حتى تظن أنها مكتفية بذاتها، ثم تأتيها المفاجأة من زاوية لم تدخل حساباتها.

وفي قراءة المرحلة المعاصرة من الصراع في فلسطين، يمكن استحضار هذا القانون بوصفه إطارًا تفسيريًا لا شعارًا تعبويًا. فالمنظومات العسكرية الحديثة، مهما بلغت من تعقيد تقني وتخطيط استخباري، تبقى أسيرة تقديراتها المسبقة. وكل تقديرٍ مهما اتسع يظل محدودًا بإدراك صانعه. من هنا كانت المفاجأة التاريخية حين جاءت الضربة من مساحة اعتُبرت “مردوعة” ومحاصَرة، ومن واقع صُنّف في أدبيات القوة على أنه الحلقة الأضعف. لم تكن المفاجأة في الحدث وحده، بل في انهيار صورة “الردع المطلق” التي بُنيت عبر عقود.

إن مركزية الآية ليست في وصف خصمٍ بعينه، بل في كشف طبيعة الغرور السياسي حين يتحول إلى يقين زائف. فكل قوةٍ تعتقد أن تحصيناتها التقنية أو تحالفاتها الدولية تجعلها بمنأى عن التحول التاريخي، إنما تعيد إنتاج خطأ الأسلاف: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. غير أن التاريخ يُظهر أن التحولات الكبرى لا تنشأ دائمًا من موازين القوة الظاهرة، بل من شروخٍ نفسية ومعنوية تتراكم حتى تفاجئ أصحابها قبل خصومهم.

ولعل أبرز ما كشفت عنه المرحلة الأخيرة أن معادلات الردع ليست ثابتة، وأن السيطرة الأمنية لا تلغي إمكانية الاختراق، وأن صورة “الجيش الذي لا يُقهر” تنهار أولًا في الوعي الجمعي قبل أن تتصدع في الميدان. هنا يتجلى معنى ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بوصفه أثرًا نفسيًا يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، ليصيب بنية الثقة والاستقرار الداخلي.
غير أن الاستحضار القرآني لا ينبغي أن يُختزل في لحظة انتصار عابر أو قراءة آنية للأحداث، بل في إدراك أن السنن الإلهية لا تعمل لصالح طرفٍ لمجرد انتمائه، وإنما وفق شروط العدل والتدافع والثبات. فالغلبة في المنظور القرآني ليست حدثًا عسكريًا منفردًا، بل مسارًا تاريخيًا مركبًا، تتداخل فيه الإرادة والوعي والصبر وبناء القوة.

إن الآية تختم بنداءٍ عميق: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. والاعتبار ليس شماتةً بخصم، بل قراءة واعية للتحول: كيف تنقلب الموازين حين يفرط القوي في غروره، وكيف يُولد الفعل الكبير أحيانًا من مساحة ضيقة محاصَرة. إنها دعوة للنظر في حركة التاريخ لا بعين العاطفة وحدها، بل بعين البصيرة التي تدرك أن الهيمنة ليست قدرًا أبديًا، وأن الظلم مهما طال زمنه محكوم بسقفٍ لا يتجاوزه.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

المصدر / فلسطين أون لاين