﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
فلسفة التغيير في رمضان
رمضان ليس شهراً عادياً، بل هو ملحمة نور تتفتح فيها أبواب الجنة وتُغلق أبواب الجحيم، وتتنزل فيه الملائكة بالاستغفار، ويُزيَّن فيه الفردوس لعباد الله الصائمين. فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، فيه يُستجاب الدعاء وتُرفع الأعمال، فيه يُغفر للمؤمنين في آخر ليلة. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
رمضان هو شهر القرآن، حيث كان جبريل يدارس النبي ﷺ كل ليلة، وهو شهر القيام، حيث تُضاء الليالي بصفوف المصلين، وهو شهر الجود والصدقة، حيث يتفجر الكرم كما يتفجر نور الفجر الصادق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
التهيؤ لرمضان ليس مجرد معرفة، بل هو شوقٌ يشتعل في القلوب، وعزيمة تُعقد في النفوس، وإرادة تُصاغ لتجعل من الصيام والقيام عبادة العارفين لا عبادة الغافلين. هو استعدادٌ يربط العلم بالعمل، والمعرفة بالعاطفة، حتى يكون رمضان موسماً للسمو الروحي، لا مجرد عادة زمنية.
الحياة امتحانٌ محدود بزمانٍ وعمر، يُختبر فيه الإنسان بين طريقين: طريق الجسد الذي يشده إلى الأرض، وطريق الروح التي ترفعه نحو السماء. في هذا الصراع الأزلي يكمن سر السعادة والطمأنينة والرضا، إذ لا نجاح إلا بالانتصار على الهوى لصالح الوحي، ولا فوز إلا حين تتغلب الروح على بهيمية الجسد، فتسمو بالإنسان إلى مقام العبودية الحقّة.
رمضان هو الملحمة الكبرى لهذا الانتصار؛ هو الميدان الذي تُصفَّد فيه الشياطين، وتُطلق فيه الأرواح لتعلو فوق قيود الطين، فيه يُعاد التوازن بين الجسد والروح، وتُبرمج الحياة على سلوك جديد يعلو فيه نداء الرحمن ويخفت فيه وسواس الشيطان.
في غزة، حيث الحصار والدمار، يظل رمضان موسماً استثنائياً يحمل معنى الصمود والتمسك بالحياة. رغم الركام والخيام، يزين الأهالي الشوارع بالفوانيس والأنوار، ويصنع الأطفال الزينة من الورق والكرتون، لتتحول اللحظات البسيطة إلى مساحات فرح وسط الألم. في المخيمات، تُضاء القلوب أكثر من البيوت، وتُقام موائد الإفطار الجماعية بما تيسر، لتؤكد أن رمضان في غزة ليس مجرد عبادة، بل هو فعل مقاومة للحزن، وإعلان حياة في وجه الموت .
فيا أيها الهمام، يا من تبحث عن التغيير الحق، شمر عن ساعديك لتدخل رمضان دخول الفاتحين، وتخرج منه خروج المنتصرين. اجعل من هذا الشهر ملحمةً للروح، وعرشاً للطمأنينة، وساحةً للانتصار على الجسد، لتكتب اسمك في سجل العارفين الذين غلبوا الهوى بالوحي، وارتقوا في مدارج السالكين نحو الرضا والسعادة الأبدية.
اللهم أهل رمضان علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام.

