فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ النجم: 32

غزة في الميزان

في قلب هذه الآية ميزانٌ دقيقٌ للإنسان: بشرٌ يخطئون، لكنهم لا يُقاسون بهفواتهم، بل بمقاصدهم ومسارهم العام. وهذا هو المفتاح لفهم غزة وأهلها اليوم.

أهل غزة ليسوا ملائكة، ولم يدّعوا العصمة يومًا. هم من طين الإنسان العادي الذي يوجع ويألم ويغضب ويضيق صدره، لكنهم في ميدان البلاء تجلّت فيهم ملحمة صبرٍ نادرة، ملحمة شعبٍ يُباد ولا ينكسر، يُجوَّع ولا يستجدي، يُشرَّد ولا يتنازل عن كرامته. في خيام النزوح تُقام صلاة الجمعة، وفي أتون الجوع يُقسَّم الرغيف، وتحت القصف تُحفظ الأمانات، وتُشيَّع الشهادة بدمع العز لا بذل الهزيمة.

نعم، في غزة هفوات. هناك من يضيق خلقه تحت ضغط المجزرة، من يتدافع على دواء لطفله، من يصرخ في وجه موظف إغاثة، من يخطئ في لحظة انفعال. وهناك من انزلق إلى تسوّل إلكتروني، أو استغل الفوضى لسرقة أو بلطجة، وبعضهم أُطلق من السجون وسط المقتلة لينظم شبكات اعتداء على المساعدات. هذه وقائع لا تُنكر، لكنها ليست هوية مجتمع، بل ظلال ضغطٍ يكاد يفوق طاقة البشر.

اللمم… تلك الزلات التي تجاوز عنها ربنا تبارك وتعالى، لا تمسّ جوهر الإيمان ولا تمحو أصل الخير. وأصل الخير في غزة ظاهر لمن أراد الإنصاف: مجتمع يمدّ المقاومة بآلاف المقاتلين، يرفض التهجير، يتقاسم الفتات، يدفن أبناءه بصبر واحتساب، ويعود ليبني خيمته فوق الركام دون أن يرفع راية الاستسلام. مجتمعٌ لو نزل ببعض الأمم ما نزل به لانفرط عقده، لكنه ظل متماسك النسيج، حيَّ الضمير، متراصَّ الصف.

ما يُراد لنا عبر بعض منصات السوشال ميديا ليس توصيفًا لغزة، بل صناعة مرآة مشوّهة تُغرس في الوعي. يريدون مدينةً من فوضى وفساد وخراب، ليُقال إن القيم انهارت، وإن الإبادة لم تُنتج إلا الانحطاط. لكن غزة الحقيقية تُكذّبهم كل يوم: تُقيم القرآن تحت الخيام، وتؤثر غيرها وهي أحوج، وتُربّي أبناءها على الكرامة وسط الطوفان. إنهم يريدون شعبًا بلا روح، بينما غزة تصرخ: نحن الجدار الأخير، نحن من تحت الركام نصوغ الوعي ونكتب الرواية.

في زمن الإبادة، تتبدّل معايير الحكم. ليس من العدل أن يُحاسَب شعبٌ يُطارد في بيوته وخيامه كما يُحاسَب مجتمعٌ آمنٌ في رفاهه. الله واسع المغفرة، وهو أعلم بمن اتقى. كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. وأهل غزة – مع ما يعتريهم من بشريةٍ طبيعية – يغلب على حالهم الالتزام القيمي، ويتسابقون في ميادين المقاومة والشهادة والقرآن، ويثبتون أن الفطرة الطيبة أقوى من كل آلات التشويه.

إن معالجة الاستثناءات واجبة، وضبط الفوضى ضرورة، لكن لا يجوز أن تتحول الهوامش إلى صورة كلية، ولا أن يُمحى بحر الخير بقطرات عكر. غزة ليست أسطورة فوق البشر، لكنها أيضًا ليست مجتمعًا منهارًا كما يُراد تصويره. هي شعبٌ تحت المحرقة، يحفظ ما استطاع من قيمه، ويجاهد نفسه قبل عدوه، ويصبر صبرًا لو وُزّع على أممٍ لكفاها.

والنداء هنا إلى من يتولّون رعاية هذا الشعب: { وَلْيَتَلَطَّفْ }. ترفّقوا بهم، تجاوزوا عن حدّتهم، خذوا بأيديهم. فالطائفة التي تصمد تحت هذا الطوفان ليست مادةً للعقاب ولا ميدانًا للتشفي، بل أمانة ثقيلة في أعناق القادرين. إنهم بشرٌ أثقلتهم المحرقة حتى كادوا يموتون كمدًا، ومع ذلك لم يسقطوا.

غزة اليوم امتحانٌ أخلاقي للعالم، وامتحانُ رحمةٍ لنا قبل أن يكون امتحان صمودٍ لهم. من أراد أن يرى حقيقتها فليترك عدسة المختبرات الإلكترونية، ولينظر إلى أمٍّ تُطعم أبناءها الفتات فلا تنكسر، وإلى أبٍ يُدفن ابنه ثم يعود ليحفر خيمةً جديدة، وإلى شابٍّ يحمل المصحف بيدٍ والسلاح بالأخرى، وإلى جارٍ يقاسم جاره الماء في يومٍ يكاد يكون كيوم الحشر.

غفر الله لغزة وأهلها، وتجاوز عن لَمَمهم، وأثاب صبرهم، وجعل جراحهم ربيع قلوبهم، ونصرهم قريبًا كالصبح.

المصدر / فلسطين أون لاين