فلسطين أون لاين

قيمة الشيء تظهر في الشدائد

في أوقات السعة يختلط الميزان، وتتشابه الأشياء، ويعلو البريق على الجوهر. كثير مما نرفعه عاليًا في الرخاء لا يصمد عند أول اختبار، وكثير مما نمرّ عليه باستخفاف يتقدّم فجأة إلى الواجهة حين تضيق الدوائر. الشدائد لا تغيّر حقيقة الأشياء، لكنها تزيل الزينة عنها، وتُظهرها كما هي، عارية من الادعاء، صافية من الضجيج. لا قيمة للخشب أمام الذهب، هذا ما يقوله العقل البارد في مجلس آمن. لكن حين يبتلعك البحر، لا تسأل عن الثمن ولا عن اللمعان، بل عن ما يُبقيك حيًا. في تلك اللحظة، ينقلب سلم القيم رأسًا على عقب: ما كان حقيرًا يصير منقذًا، وما كان نفيسًا يغدو عبئًا. هنا فقط نفهم أن القيمة ليست وصفًا ثابتًا يُمنح للأشياء مرة واحدة، بل وظيفة تُختبر عند الحاجة، ومعنى يُستخرج في لحظة اضطرار.

الشدائد ميزان صادق، لا يعرف المجاملة. فيها تسقط الشعارات، وتخفت الأصوات العالية، ويتراجع المتصدرون الذين عاشوا على التصفيق. لا يبقى إلا ما يؤدي دورًا حقيقيًا. الإنسان الذي كان حضوره ثانويًا قد يصير عمودًا، والفكرة التي كانت مهمشة قد تتحول إلى ضرورة، والعلاقة التي حسبناها هامشية تكشف أنها كانت السند الأخير الذي لم ننتبه إليه إلا حين انكسرت المسافات. ولهذا فإن الأزمات لا تخلق القيم من العدم، بل تكشف القيم الكامنة. تكشف صدق الإيمان لا كثرة الكلام عنه، وتكشف معنى القوة لا صورتها، وتكشف الفرق بين ما نملكه وما نعتمد عليه حقًا. في الرخاء نحبّ ما يزيّن حياتنا، وفي الشدة نتمسّك بما يحفظها. في الرخاء نتباهى بما يضيف إلينا صورة، وفي الشدة نبحث عما يضيف إلينا حياة.

الإنسان بطبيعته يميل إلى تقدير اللامع. يحبّ ما يُرى، ما يُشاد به، ما يُذكر في المجالس. لكن ما يُنقذ في العواصف غالبًا لا يُرى. الصبر لا يلمع، لكنه يحمي من الانهيار. الصدق لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يبني ثقة لا تُشترى. الوفاء لا يُصفّق له كثيرًا، لكنه وحده يقف حين ينسحب الآخرون. هذه القيم لا تتضخم في الأحاديث، بل تكبر بصمتها، وتُعرف حين يُختبر الناس. حتى العلاقات الإنسانية تخضع لهذا القانون. كم من معرفةٍ بدت متينة لأنها قائمة على الضحك والمصالح المشتركة، ثم تلاشت عند أول خلاف. وكم من صلةٍ بسيطة، قليلة الظهور، فإذا بها الحبل الذي يمسك بك حين تميل بك الدنيا. في الرخاء نحيط أنفسنا بالكثير، وفي الشدة نكتشف أن القليل الصادق خير من الكثير العابر.

والأمر لا يقتصر على الأفراد، بل يتعداهم إلى المجتمعات والدول والمؤسسات. ما يبدو قويًا في التقارير قد ينهار في أول أزمة، وما اعتُبر تفصيلًا إداريًا قد يتحول إلى عصب نجاة. التخطيط الذي ظُنّ مبالغة، يصبح ضرورة. العدالة التي أُهملت تتحول إلى شرط للاستقرار. الإنسان البسيط في الميدان، الذي لم يُذكر اسمه في الاحتفالات، قد يكون هو السدّ الأخير أمام الانهيار. الشدائد تعيد ترتيب الأولويات بلا استئذان. ولعل أخطر ما في الرخاء أنه يمنحنا وهم الاكتفاء. نظن أننا نملك لأننا جمعنا، ونظن أننا أقوياء لأننا تفوقنا، ونظن أن الأمور ستبقى كما هي لأننا اعتدناها كذلك. لكن الشدة تأتي لتسأل سؤالًا واحدًا: ماذا يبقى إذا سقطت الزينة؟ ماذا يبقى إذا تعطل ما اعتدت عليه؟ ماذا يبقى إذا وجدت نفسك وحدك في مواجهة العاصفة؟

هناك من يخرج من الشدائد خفيفًا، لأنه لم يحمل إلا ما ينفعه. وهناك من يثقل ويغرق، لأنه حمل ما يلمع لا ما يُنقذ. الفارق ليس في مقدار ما يملكه الإنسان، بل في نوع ما يملكه. ليس المهم كم تجمع، بل ماذا تختار أن تعتمد عليه. والحكمة ليست في انتظار الشدة حتى نتعلم، بل في أن نعيد النظر في سلّم قيمنا ونحن في سعة. أن نسأل أنفسنا: لو ضاقت الدوائر، ماذا سأبحث عنه؟ من سأستدعي؟ ما الذي سيبقى معي؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يعيد ترتيب حياتنا قبل أن تعيدها الأقدار قسرًا.

الشدائد لا تُحب، لكنها تُحترم؛ لأنها لا تكذب. هي الامتحان الذي لا يقبل الغش، والمرآة التي لا تجامل، والميزان الذي لا يختل. عندها فقط يظهر الوزن الحقيقي للأشياء، ويتبيّن الفرق بين ما كان زينة وما كان ضرورة. وعندها نفهم المعنى كاملًا: أن قيمة الشيء لا تُقاس بثمنه، ولا بلمعانه، ولا بكثرة من يمدحه، بل بقدرته على أن يكون عونًا ساعة العسر. فالخشب قد لا يساوي شيئًا في الأسواق، لكنه في البحر حياة. والذهب قد يملأ الخزائن، لكنه لن ينفع وسط الأمواج. هكذا تثبت الأيام أن قيمة الشيء لا تُعرف في الرخاء، بل تظهر في الشدائد.

المصدر / فلسطين أون لاين