في تراثنا الإسلامي كلمات قصيرة لكنها تختصر تجارب حضارية طويلة. ومن تلك الكلمات ما يُنسب إلى الإمام الأوزاعي -رحمه الله- حين قال: «إذا أراد الله بقومٍ شرًّا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل». هذه العبارة ليست حكماً فقهياً، ولا هي مجرد موعظة أخلاقية، بل هي تشخيص عميق لحالة اجتماعية كثيراً ما تصيب الأمم في لحظات ضعفها.
فالأمم لا تسقط فجأة، ولا تنهار دفعة واحدة، بل تدخل أولاً في حالة من العجز الخفي، يظهر في شكل ظواهر تبدو في ظاهرها طبيعية. من أخطر تلك الظواهر أن يتحول الجدل إلى النشاط الأكثر انتشاراً في المجتمع، وأن يصبح الكلام بديلاً عن الفعل، والنقاش بديلاً عن المسؤولية. عندها يبدأ الناس في الانشغال بتفسير الواقع أكثر من محاولة تغييره، ويغرقون في تحليل الأحداث بدل أن يصنعوا الأحداث.
في مثل هذه الحالة تتكاثر المنابر التي تتحدث، وتقل الأيادي التي تعمل. يصبح كل فرد خبيراً في السياسة، ومحللاً في الاقتصاد، وناقداً في كل شأن، لكن حين يتعلق الأمر بالفعل الحقيقي يختفي كثير من هؤلاء. تتكدس الكلمات في الفضاء العام، بينما تبقى المشاريع معلقة، والواجبات مؤجلة، والواقع على حاله.
الجدل في أصله ليس مذموماً. فقد عرفه العلماء قديماً، واستعملوه في الدفاع عن الحق، وفي بيان الصواب، وفي الرد على الشبهات. غير أن الجدل يتحول إلى مشكلة حين يفقد هدفه، وحين يصبح غاية في ذاته. عندها لا يعود وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل يصبح ساحة للصراع الشخصي، ولإثبات التفوق الفكري، أو لتسجيل النقاط على الخصوم.
ومع مرور الوقت تتشكل في المجتمع طبقة واسعة من الناس الذين يتقنون الكلام أكثر مما يتقنون العمل. يتسابقون في إصدار الأحكام، وفي إطلاق التوصيفات الكبرى، وفي رسم الخطط النظرية، لكنهم نادراً ما يضعون أقدامهم في ميدان الفعل. وهنا تتجلى خطورة ما أشار إليه الأوزاعي؛ إذ إن المجتمع الذي يغرق في الجدل يفقد تدريجياً قدرته على الإنجاز. ولعل أخطر ما يفعله الجدل الطويل أنه يستهلك طاقة المجتمع النفسية والعقلية. فالناس حين ينخرطون في نقاشات لا تنتهي، يستنزفون وقتهم، ويستهلكون أعصابهم، ويغرقون في صراعات جانبية لا علاقة لها بالمهام الكبرى التي تنتظرهم. وهكذا يتحول الجدل إلى دائرة مغلقة: كلام يولّد كلاماً، وردود تجر ردوداً، بينما تبقى القضايا الحقيقية بلا حل.
إن المتأمل في تاريخ الأمم يلاحظ أن لحظات النهضة الكبرى لم تكن لحظات جدل طويل، بل كانت لحظات عمل مكثف. في تلك اللحظات يقل الكلام، لأن الناس منشغلون بالبناء، وبإقامة المشاريع، وبإصلاح ما يمكن إصلاحه. أما حين تتراجع روح العمل، فإن الفراغ الذي يتركه الفعل تمتلئ به الكلمات. ومن هنا نفهم أن عبارة الأوزاعي ليست دعوة إلى إسكات النقاش أو مصادرة الرأي، بل هي تحذير من اختلال التوازن بين الفكر والعمل. فالمجتمع السليم هو الذي يناقش بقدر ما يحتاج، ثم يتحرك بقدر ما يستطيع. أما المجتمع الذي يكتفي بالنقاش، فإنه يضع نفسه في طريق العجز الطويل.
في زمننا المعاصر، ومع اتساع وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تضاعفت مساحة الجدل أضعافاً كثيرة. يستطيع أي شخص أن يكتب رأياً في ثوانٍ، وأن يدخل في نقاشات طويلة مع عشرات الأشخاص، وأن يقضي ساعات يومياً في الردود والمجادلات. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: كم من هذا الجدل يتحول فعلاً إلى عمل نافع في الواقع؟ إن الأمم التي تريد أن تتقدم لا تحتاج فقط إلى الأفكار، بل تحتاج إلى من يحوّل الأفكار إلى مشاريع. لا تحتاج إلى النقاد وحدهم، بل تحتاج إلى البنّائين أيضاً. فالنقد قد يكشف الخلل، لكنه لا يعالج الخلل ما لم يتبعه عمل.
لذلك تبقى كلمة الأوزاعي تحذيراً عميقاً يتجاوز زمانه: حين يصبح الجدل هو النشاط الأكثر حضوراً في حياة الناس، وحين يتراجع العمل إلى الصفوف الخلفية، فإن ذلك مؤشر خطير على أن المجتمع يسير في الاتجاه الخاطئ. فالتاريخ لا تصنعه المناظرات الطويلة، ولا المجالس التي تمتلئ بالكلام، بل تصنعه الأيادي التي تعمل بصمت، والعقول التي تترجم أفكارها إلى أفعال. وحين تعود الأمة إلى هذا الميزان، يتراجع الجدل تلقائياً، ويعود العمل إلى مكانه الطبيعي في مقدمة المشهد.

