حذّر مدير التربية والتعليم شرق غزة منير أبو زعيتر من أن قطاع التعليم في غزة يواجه أزمات مركّبة تهدد استمرارية العملية التعليمية، في وجود دمار واسع للبنية التحتية، وانقطاع طويل عن الدراسة، ونقص حاد في الإمكانات، إلى جانب آثار نفسية عميقة خلّفتها الحرب لدى الطلبة والمعلمين، مؤكدًا أن تجاوز هذه التحديات يتطلب تدخلًا عاجلًا وخططًا واقعية قائمة على الشراكة والتكامل.
وجاءت تصريحات أبو زعيتر أمس، خلال جلسة حوارية نظمها مركز التنمية والإعلام المجتمعي بالشراكة مع الأورومتوسطية للحقوق، لبحث واقع التعليم بعد الحرب والتحديات النفسية والاجتماعية والمؤسسية، ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز المساءلة الدولية وحماية حقوق الإنسان وإعادة تأهيل الفضاء المدني في قطاع غزة.
وأوضح أن أبرز معيقات انتظام الدراسة تتمثل في الانقطاع المتكرر للكهرباء والإنترنت، وغياب البيئات التعليمية الآمنة، وعدم الاستقرار الوظيفي للكوادر التعليمية، وهي عوامل تشكّل عوائق حقيقية أمام تنفيذ الخطط التعليمية بالشكل المطلوب.

مدير التربية والتعليم شرق غزة منير أبو زعيتر
وأشار إلى أن الوزارة تعمل، رغم محدودية الموارد، على إنشاء نقاط تعليمية ومساحات آمنة في المناطق المتضررة، وتفعيل التعليم الإلكتروني كخيار داعم، إلى جانب إعادة تأهيل الكوادر التعليمية للتعامل مع التحديات الميدانية.
وأكد أبو زعيتر أن الوزارة تدرك حجم الفجوة التعليمية المتراكمة نتيجة الانقطاع الطويل، وتسعى إلى معالجتها عبر خطط تعويضية وتقييمات مرنة تراعي الواقع الاستثنائي الذي يعيشه الطلبة، مشددًا على أن التعليم حق أساسي لا يمكن تأجيله، وأن الحفاظ عليه يمثل أولوية وطنية.
وخلص المشاركون في الجلسة إلى توصيات ركّزت على تعزيز مرونة واستقرار العملية التعليمية، من خلال أرشفة القرارات والتعاميم في منصة موحّدة، ووضع خطط بديلة للامتحانات تراعي انقطاع الكهرباء والإنترنت، وتوفير مراكز امتحانية آمنة، واعتماد أنظمة تقييم مرنة ومتعددة المسارات.
كما دعوا إلى توحيد المناهج الدراسية، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة بالتنسيق مع وكالة “الأونروا” ومؤسسات المجتمع المدني، وتوسيع برامج التعليم المؤقت وفق خرائط الاحتياج، مع دمج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن أي تدخل تعليمي.
وفي محور جاهزية الطلبة، أشار النقاش إلى أن كثيرًا من الأطفال يواجهون صعوبات في العودة إلى الصفوف بسبب الصدمات النفسية وفقدان أفراد من العائلة أو الأصدقاء، ما ينعكس على قدرتهم على التركيز والتحصيل، فيما أكد أبو زعيتر أن الوزارة تولي الدعم النفسي أولوية وتسعى لدمجه داخل البيئة التعليمية بالتعاون مع جهات مختصة.
أما المعلمون، فيواجهون ضغوطًا نفسية ومهنية متراكمة ونقصًا في التدريب المتخصص للتعامل مع الأطفال المتأثرين بالصدمات، إلى جانب تحديات معيشية تؤثر على استقرارهم الوظيفي، الأمر الذي يستدعي – بحسب أبو زعيتر – الاستثمار في تدريب الكوادر على التعليم في حالات الطوارئ وتوفير بيئة داعمة تمكّنهم من أداء رسالتهم بفاعلية.
وفي ما يتعلق بالمناهج، شدد المشاركون على ضرورة إجراء تعديلات تراعي الفجوات المعرفية المتراكمة، ودمج المبادرات التعليمية المجتمعية والرقمية ضمن النظام الرسمي وفق آليات واضحة للتقييم والمساءلة، إلى جانب اعتماد مقاربة تعليمية دامجة تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، رغم التحديات المرتبطة بضعف التهيئة الفيزيائية ونقص الأدوات المساندة.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن إعادة إعمار التعليم في غزة لا تقتصر على إعادة بناء المدارس، بل تشمل إعادة بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا ومؤسسيًا، مع التشديد على مسؤولية الجهات الوطنية والدولية في توفير الدعم الفني والمالي وتعزيز الشراكات المستدامة، لضمان حماية حق الأجيال القادمة في التعلم والحياة الكريمة.

