تجلس لين، ذات الأربعة عشر عامًا، داخل خيمة صغيرة في منتزه برشلونة بحي تل الهوا جنوب مدينة غزة، تحاول مدّ قدمها المصابة بحذر.
تنظر إلى الأرض طويلًا قبل أن تقول بصوت خافت لصحيفة "فلسطين": "كنت أعتقد أن أصعب شيء عشته هو الخوف من القصف… لكني لم أتخيل أن النار التي نطبخ عليها قد تؤذيني أكثر."
لين من سكان حي الشجاعية شرق غزة، عاشت مع أسرتها المكوّنة من أم وأب وأربعة إخوة سنوات الحرب بكل تفاصيلها.
طالع المزيد: سوارٌ لم يُنزَع… طفلة خديجة تعيد أمًّا غزية إلى الحياة
تتذكر الأيام الأولى قائلة:" نزحنا أكثر من مرة داخل غزة، كنا نغادر بسرعة، نحمل بعض الملابس فقط، كنت آخذ دفاتري معي دائمًا، كنت خائفة أن أنسى المدرسة".

توضح والدتها أن الحرب غيّرت حياة العائلة بالكامل:" عشنا المجاعة والخوف، وكنا نحاول فقط إبقاء الأطفال بخير، لم يكن هناك مكان آمن، وكل مرة نقول انتهت، يبدأ القصف من جديد."
مع وقف إطلاق النار في المرة الثانية، عادت العائلة إلى منزلها في حي الشعف شرق غزة، تقول لين بابتسامة قصيرة سرعان ما تختفي:" فرحت كثيرًا عندما عدنا، تخيلت أني سأعود لحياتي القديمة، لغرفتي ومدرستي وصديقاتي."
لكن الهدوء لم يستمر، تضيف الأم: "بعد فترة قصيرة عاد القصف بشكل أعنف، واضطررنا للنزوح جنوبًا مرة أخرى. كانت أصعب لحظة حين عدنا لاحقًا ووجدنا البيت مدمّرًا بالكامل، والمنطقة ممنوع الوصول إليها."
لم تجد الأسرة سوى خيمة في حي تل الهوا، هناك بدأت حياة جديدة قاسية، تعتمد فيها العائلة على جمع ما يمكن من اخشاب ملابس بلاستيك وغيرها من المخلفات لإشعال النار بسبب نقص الوقود وغاز الطهي.
تقول الأم: "كنا نبحث عن أي شيء نحرقه لنطبخ الطعام، الأطفال كانوا يجمعون الكرتون وبقايا الأقمشة من الشوارع، مثل كثير من العائلات".

في ذلك اليوم، خرج إخوة لين الصغار كعادتهم لجمع المخلفات، تروي لين ما حدث وهي تحاول كتم ألمها:
"كنت قريبة من أمي وهي تطبخ، فجأة سمعت صوتًا قويًا جدًا، وبعدها شعرت بحرارة شديدة وسقطت على الأرض."
تكمل الأم بصوت يرتجف:"لم أكن أعلم أن بين الأقمشة قطعة تحتوي مادة متفجرة من مخلفات الحرب، اشتعلت النار وانفجرت فجأة، وانقلب وعاء الطعام الساخن، لم أفهم ما حدث إلا عندما سمعت صراخ لين."
أصيبت لين بحروق شديدة في قدمها وفخذها، إصابات ما تزال تمنعها حتى الآن من المشي بشكل طبيعي، تقول وهي تنظر إلى قدمها:"أكثر شيء أحزنني أني عدت إلى المدرسة قبل شهر واحد فقط، كنت سعيدة جدًا… ثم توقفت حياتي مرة أخرى."

تضيف الأم:"لين حُرمت من تقديم امتحاناتها مثل صديقاتها، هذه ليست السنة الأولى التي تضيع عليها؛ العامان الماضيان أيضًا لم تتمكن من الدراسة بسبب الحرب وخوفنا عليها."
تشير تقارير منظمات دولية عاملة في المجال الإنساني إلى أن مخلفات الحرب غير المنفجرة أصبحت خطرًا يوميًا في قطاع غزة، إذ تبقى ذخائر ومواد متفجرة بين الركام والمخلفات المدنية بعد انتهاء القصف.
ويحذر خبراء إزالة الألغام من أن نسبة من الذخائر لا تنفجر فور سقوطها، ما يجعلها تهديدًا طويل الأمد، خصوصًا للأطفال والعائلات التي تضطر لاستخدام المخلفات كوقود بديل في ظل نقص مصادر الطاقة.
تقول والدة لين:"لم نكن نعرف أن قطعة قماش يمكن أن تخبئ موتًا بداخلها، نحن فقط نحاول أن نعيش."
أما لين، فتنشغل بفتح دفتر مدرسي قديم احتفظت به رغم النزوح، وتقول:"اشتقت لمدرستي كثيرًا، أريد فقط أن أستطيع المشي والعودة للصف مثل باقي الطالبات."
تصمت قليلًا ثم تضيف:"الحرب لم تنتهِ بالنسبة لي… لأنها ما زالت في قدمي، وفي السنة الدراسية التي ضاعت مرة أخرى."
بين الخيمة وذكريات المدرسة، تحاول لين التمسك بحلم بسيط" أن تنتهي الحرب داخل جسدها أولًا، قبل أن تنتهي خارجها".

