تشكل قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) بشأن الضفة الغربية المحتلة منعطفا سياسيا وإداريا حادا، إذ تتجاوز كونها إجراءات استيطانية إلى إعادة هندسة عميقة للواقع القائم، ومع تسارع التنفيذ الميداني، يتصاعد السؤال الفلسطيني: كيف يمكن التصدي لمرحلة ما بعد أوسلو؟.
وأقر (الكابينيت)، الأحد الماضي، حزمة قرارات تعيد رسم إدارة الأراضي في الضفة، عبر نقل صلاحيات تخطيط وبناء، وفتح سجلات الأراضي، وتوسيع صلاحيات الإنفاذ حتى في مناطق خاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن الخطوة تمهد لضم فعلي متدرج تحت غطاء إداري وقانوني.
طالع المزيد: الضفة الغربية… قرارات "الكابينت" تعمّق مسار الضم وتضيّق الأفق السياسي
ووفق اتفاق أوسلو، قسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: "أ" وتشكل نحو 18% وتخضع إداريا وأمنيا للسلطة الفلسطينية، و"ب" نحو 22% بإدارة مدنية فلسطينية وأمن إسرائيلي، و"ج" نحو 60% تحت سيطرة الاحتلال الكاملة.

قرارات حكومة نتنياهو الاخيرة تمس عمليا هذا التقسيم، إذ تمنح الاحتلال أدوات تدخل أوسع في مناطق "أ" و"ب"، خاصة في ملفات الآثار والبيئة والمياه، بما يتيح وقف مشاريع أو تنفيذ هدم بذرائع فضفاضة، ويقوض جوهر الترتيبات الانتقالية.
أي استراتيجية لمواجهة المرحلة الجديدة؟
أمام هذا التحول العميق، تبرز أسئلة ملحة: هل يكتفي الفلسطينيون برفض سياسي وإدانة إعلامية، أم ينتقلون إلى صياغة استراتيجية وطنية شاملة؟ هل تبقى العلاقة مع الاحتلال محكومة بمنطق إدارة الأزمة، أم يعاد تعريفها قانونيا وسياسيا؟ وهل يمكن مواجهة مسار الضم دون وحدة داخلية وبرنامج وطني جامع؟
المحلل السياسي د. أشرف القصاص، يرى أن اتفاق أوسلو انتهى فعليا منذ سنوات، لكن ما يجري اليوم يمثل إعلان وفاته السياسية الكاملة على الأرض، فكيان الاحتلال، برأيه لم يلتزم بروح الاتفاق ولا بنصوصه، ويتعامل مع الضفة الغربية كأراض خاضعة لسيادته بحكم الأمر الواقع.
طالع المزيد: شهاب لـ "فلسطين": قرارات الكابينت "خطيرة" وتهدف لفرض السيادة على الضفة
ويحذر القصاص من أن الفلسطينيين يقفون أمام مرحلة ما بعد أوسلو دون إطار بديل معلن، وهو ما يفتح الباب أمام ضم دائم مقنع بلا أفق سياسي. الأخطر، كما يقول لصحيفة "فلسطين"، أن التحولات الإدارية قد تسبق أي إعلان سياسي رسمي، فتثبت واقعا يصعب تغييره.
من إدارة الأزمة إلى المواجهة
وفيما يتعلق بالمطلوب من الفلسطينيين للتصدي لقرارات الاحتلال، يدعو القصاص إلى خروج السلطة الفلسطينية من منطق إدارة الأزمة إلى منطق المواجهة السياسية والقانونية المنظمة، فإصدار البيانات، بحسب تعبيره، لم يعد كافيا أمام إعادة هندسة شاملة للصراع تجري على الأرض بوتيرة متسارعة.
ويرى أن إعادة تعريف العلاقة مع (إسرائيل) باتت ضرورة، ونقل الصراع إلى ساحات القانون الدولي بشكل منهجي ومستدام، لا بوصفه رد فعل مؤقتا. كما يؤكد أهمية تدويل ملف الخليل والمواقع الأثرية وجعل قرارات (الكابينيت) عنوانا لحملة دولية دائمة.
الوحدة الوطنية
المحلل السياسي محمد القيق يضع الوحدة الوطنية في صلب أي استراتيجية مواجهة. فبرأيه، تتسارع خطوات الضم والاستيطان بينما يبقى الانقسام الفلسطيني قائما، وهو ما يعمل لصالح الاحتلال الإسرائيلي ويضعف القدرة على بناء موقف موحد ضاغط.
ويقترح القيق في حديثه لصحيفة "فلسطين" تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الضفة والقدس وغزة، بما يسمح بالتحرك بصوت فلسطيني واحد في الساحة الدولية. من دون ذلك، يحذر من ان السلطة قد تتراجع إلى أقل من مستوى بلديات، مع انحسار صلاحياتها تدريجيا.

المحلل السياسي محمد القيق (صورة أرشيفية)
ويشير إلى غياب نوايا جدية لدى الأطراف الفلسطينية للتصدي للمخطط، في ظل سعي بعض الحالات للحفاظ على معادلات خدمية قائمة. مؤكدا أن غياب مشروع وطني واضح وإصرار سياسي على المواجهة يفتح المجال أمام ترسيخ الوقائع الجديدة.
أما ديمتري دلياني رئيس التجمع الوطني المسيحي في الاراضي المقدسة، فيرى أن التحول إلى إجراءات ميدانية بدأ منذ لحظة الإعلان، لأن القرارات أوامر تشغيلية تنفذ تدريجيا عبر الجهاز الإداري والأمني للاحتلال. التجربة السابقة، كما يقول، تشير إلى أن التنفيذ العلني قد يتأخر أسابيع أو أشهر، لكن المسار التراكمي يبدأ صامتا.
ويشرح أن المرحلة الحالية تتمثل في إعداد إداري وقانوني: تحديث خرائط، بناء ملفات، تبادل بيانات، تمهيدا لتفعيل الهدم والمصادرة ونقل الملكيات. في الضفة، لا يقاس الخطر بلحظة الجرافة، بل بالمسار الذي يسبقها ويؤسس لشرعنتها.
استراتيجية هجومية لا دفاعية
دلياني يؤكد لـ"فلسطين"، أن النوايا لا تكفي، وأن المطلوب انتقال من ردود الفعل إلى رد منظم. البداية، برأيه، إعلان فلسطيني واضح بأن هذه القرارات تمثل ضما فعليا، وبناء استراتيجية مواجهة على هذا الأساس بتوافق فصائلي جامع.
ويقترح تفعيل المسار القانوني الدولي بصورة هجومية، عبر توظيف رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024، ومطالبة الدول بتحمل مسؤولياتها. كما يدعو إلى برنامج وطني طارئ لحماية الأرض يشمل توثيق الملكيات وتحـصين السجلات الفلسطينية.

ديمتري دلياني رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة
ويشدد على أهمية تشكيل شبكات قانونية ميدانية لرصد الابتزاز والتهديد المرتبط بكشف بيانات الأراضي، معتبرا أن هذا خط دفاع وجودي. سياسيا، يرى أن مشروع الضم يتغذى على الانقسام، وأن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ببرنامج تحرري واضح باتت أولوية.
أمام تسارع خطوات الضم وإعادة تشكيل الواقع في الضفة المحتلة، لم يعد كافيا الاكتفاء بالإدانة أو إدارة الأزمة، وفق الخبراء، بل تبرز الحاجة إلى موقف وطني موحد واستراتيجية واضحة تنقل المواجهة إلى المستويين القانوني والدولي، بالتوازي مع تحصين الجبهة الداخلية وحماية الأرض. فالمرحلة تتطلب إرادة سياسية جامعة قادرة على وقف ترسيخ الوقائع الصهيونية الجديدة قبل أن تتحول إلى أمر دائم.

