فلسطين أون لاين

جثامين بلا أسماء: جريمة المحو بعد القتل في غزة

في تمام الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، والإنسانية تغط في سبات عميق، غزة وحدها كانت على موعد مع استلام جزء من بقايا وجودها، متجسدًا في ستة وستين صندوقاً تحتوي جثامين لشهداءها؛ هذه الصناديق منزوعة الاحساس ستنبش جرحًا -لم يندمل- لخمسة آلاف عائلة- تبحث منذ أشهر دون كلل أو ملل عن مفقوديها بين جثامين الشهداء التي يفرج عنها الاحتلال.

سياسة القتل مرتين:

ما يصل إلينا في كل مرة من جثامين، ليس إفراجاً عن جثامين كما يدعي الاحتلال، بل هو دليلٌ جنائيٌّ على جريمة مكتملة الأركان*؛ هؤلاء الذين أُعدم بعضهم تحت سياط التعذيب، قُتلوا مرتين: مرةً حين أُزهقت أرواحهم في غيابات السجون والتحقيق، ومرةً حين احتُجزت أجسادهم في مقابر الأرقام؛ ليُعادوا إلينا لا كأجسادٍ كاملة، بل كعظام بالية لا تكشف عن هوية صاحبها.

يا له من مشهدٍ يختصر وجع الفقد! كيف استطاع هذا المحتل الغاشم أنْ ينزع عن الفلسطيني آدميته، عبر إذلال الجسد حتى وهو جثة هامدة، ومعاملته كأنه بلا حرمة ولا تاريخ، ولا حتى قبرٍ يليق بقدسية خلقه.

إنهم لا يسلموننا شهداءنا، بل يسلموننا رسالة إجرام مفادها: "لا حرمة لكم حتى في الموت".

سياسة التلاعب بالمدى الزماني والمكاني:

في قلب هذه الفاجعة تتجلى ظاهرة "اللازماكانية" المأساوية، حيث يتوقف الزمن عند لحظة الفقد، وتضيق الجغرافيا لتصبح مجرد بحثٍ يائسٍ بين الأشلاء؛ هنا يمارس أهالي المفقودين أصعب الطقوس وهي محاولة استعادة هوية ذويهم عبر التنقيب بين ثنايا العظام وبقايا الملابس عن خيطِ ضوءٍ يرشدهم إلى فلذات أكبادهم.

رغم دقة بحثهم يبقى المشهد اللازماكاني هو المسيطر، ولا يزال المفقودون مفقودين والجثث بلا أسماء؛ حتى الأطباء الشرعيون وقفوا مذهولين وعيونهم تقول: "كيف نُعيد الأسماء للأجساد وقد مُحيت الملامح؟ فهنا في غزة وبسبب الحصار، لا إمكانيات لفحص الحمض النووي (DNA)"!

سياسة محو الأثر:

هنا دعونا نسألُ هذا العالم الصامت: لماذا يرتعبُ القاتل من أسماء ضحاياه حتى وهم عظامٌ متفرقة؟ إن إخفاء المحتل لأسماء الجثامين هو جزء من سياسة محو الأثر بعد سلب الروح، فالمحتل لا يكتفي بالقتل، بل يريد أنْ يمنعنا من أنْ نكون أصحاب قصة إنسانية؛ لأنّ منع الدفن هو نفي للوجود؛ فالقبر هو الشاهد المادي على أننا كنا هنا، وأنّ لنا اسمًا وعائلة وتاريخًا. وكذلك حين يمنعون الأهل من إلقاء نظرة الوداع على فقيدهم، هم يحاولون تحويله إلى مجرد "رقم في العراء"، وهذا هو جوهر الإبادة: نفي الوجود حتى بعد الموت.

بل إنها يا سادة كذلك، امعان في نشر حالات الفقد اليتيم؛ ذلك الفقد الذي يُنتزع منه أسمى وأبسط حقوق الإنسان: الحق في الحداد، والحق في القبر، والحق في نظرة الوداع الأخيرة، والحق في تسجيل الاسم في قائمة الشهداء.

فهذا الفقد يحدث في ظروف تَمْنَع طقوس الوداع، مما يجعله فقداً بلا "أب رمزي" أو إطار اجتماعي يحتضنه ويخفف من وقعه، فيبقى الحزن معلقًا ومتجددًا، فلا النَفْس ترتاح ولا القلب يهدئ.

موات العالم:

ويبقى السؤال الذي يلوح في فضاء غزة التي تُباد أين هي القوانين الدولية؟ أين مواثيق جنيف التي تُقدس حرمة الموتى؟ يبدو أنّ هذه القوانين قد سُنت لجمح الشعوب والدول الضعيفة فقط، بينما يقف العالم المتحضر متواطئاً بصمته، يراقب إبادة شعب من مسافة صفر أو عبر البث المباشر ويكتفي فقط بتحسين ظروف موت هذا الشعب المكلوم.

إنّ هذا الصمت العالمي ليس عجزاً، بل هو شريكٌ أصيل في الجريمة؛ فمن صفق وهلل، ومن لطم صمتاً، ومن أمضى على قرارات التجويع والإبادة، كلهم يقفون في خندقٍ واحد ضد كرامة الإنسان الفلسطيني.

ختامًا:

يا رب، إننا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس. إنهم تجبّروا بأسلحتهم، وتجبرنا بصمودنا ويقيننا. اللهم إننا نستودعك هذه الأشلاء، ونعلم أنك الجامع الذي سيجمع هذه العظام يوم البعث لتشهد على كل من خذلنا.

حسبنا الله ونعم الوكيل، ولعنة التاريخ تلاحق القتلة ومن صمتوا.

المصدر / فلسطين أون لاين