فلسطين أون لاين

ميزانُ الفقد.. صرخةُ الركام وصمتُ المليارات

حين تُستعاد جثةُ جنديٍّ واحدٍ من تحتِ أنقاضِ غزة، يرتجُّ العالم "الحرُّ" من أقصاه إلى أقصاه، تُقرَعُ طبولُ الإنسانية الزائفة، وتُفتَحُ السماءُ الإعلاميةُ لنحيبِ القادةِ والساسة، ويُستدعى "الحقُّ في الدفن" كأنّهُ اكتشافٌ أخلاقيٌّ لم يسبقهم إليه أحد. في تلك اللحظة، لا يرى هذا العالم إلا وجهاً واحداً، ولا يبكي إلا فقيداً واحداً، بينما تغصُّ غزةُ بآلافِ الوجوه التي غاب ملامحها الركام، وابتلع صرخاتها الصمت.

طيب.. ونحن؟

أين أسرانا الذين يذوبون في عتمة الزنازين؟ أين جثامينُ أطبائنا الذين قضوا تحت التعذيب، كالدكتور عدنان البرش والدكتور إياد الرنتيسي؟ أين آلاف المفقودين الذين استحالوا خبراً عاجلاً لثوانٍ ثم نُسوا في كشوفات الفقد؟ في غزة، هم يبحثون عن جنديٍّ ليُقيموا له جنازةً تليقُ بـ "كرامة الفرد"، ونحن نبحثُ عن أحياء، ثم نبحثُ عن موتى، ثم نبحثُ عن مجرد "أثرٍ" يدلُّ على أن إنساناً كان هنا يوماً ما. هم يُقيمون خيمةً لانتشالِ جثة، ونحن نُقيمُ صلاةَ الغائبِ على مدنٍ كاملةٍ مُسحت من خارطة الوجود.

وجعُ التاريخ.. وذلُّ الجغرافيا

يُؤلمني قلبي هذا المساء وأنا أتجرعُ غصة المهانة؛ كيف لميزان العدالة أن يختلَّ إلى هذا الحد؟ جثةٌ واحدة تُستعاد، تُعادلُ في كفة القوة الدولية كرامة 473 مليون عربي، يتمددون من هدير الخليج إلى سكون المحيط. مساحةٌ جغرافيةٌ هائلة، وتاريخٌ يمتدُّ من هيبة الفاروق عمر إلى أمجاد العثمانيين، كلُّ هذا الإرث يقف اليوم عاجزاً، يراقبُ نبشَ عشرات القبور العربية والإسلامية في غزة، وكأنَّ رفاتَ شهدائنا مجرد "ترابٍ" لا قيمة له، بينما "جثةُ اليهودي الواحد" تزنُ أمةً كاملةً بتاريخها وحاضرها. يا وجعَ التاريخ.. ويا خيبةَ الحاضر الذي يُعاقبُ فيه حتى الشهداء تحت الركام.

بين التقنية والسياسة: العبورُ من عنق الزجاجة

إن استعادة هذا الجثمان، برمزيتها القاسية، ليست مجرد إجراء تقني، بل هي "المدخلُ الدامي" للمرحلة الثانية من الاتفاق. هذه المرحلة التي يجب أن تكون سداً منيعاً أمام عودة حرب الإبادة، هي اختبارٌ لما تبقى من ضمير دولي.

إن الانتقال من "الخط الأصفر" إلى "الخط الأحمر" ليس تلاعباً بالألوان، بل هو معيارُ الجدية في الانسحاب الفعلي من غزة. لا يمكن أن تظلَّ المرحلةُ الثانية مساحةً رمادية؛ ففتح معبر رفح دون شروط، والالتزام بالبروتوكول الإنساني الكامل، وإدخال مستلزمات الإيواء لمن يلتحفون السماء، هو جوهرُ ما ننتظره، لا بوصفه "منةً" من أحد، بل كحقٍّ انتزعته الدماء.

ميزانُ القوى.. ودرعُ واشنطن

لا يمكننا قراءة مشهد الأسرى بمعزلٍ عن شبكة الحماية السياسية والعسكرية التي وفرتها واشنطن للاحتلال. لقد امتلكت المقاومةُ ورقةَ ضغطٍ حقيقية، لكن التدخل الأمريكي المباشر كان يحاول دوماً ترجيح الكفة، ليوهم العالم بأن القوة والوحشية يمكن أن تكسر إرادة الشعوب. لكنَّ غزة، ورغم الثمن الذي تجاوز حدود العقل والمنطق العسكري، لم تمنح الاحتلال نصراً سياسياً واحداً.

الخاتمة

ستبقى قضية الأسرى في قلب الأولويات، وسيبقى آلاف الفلسطينيين في السجون عنواناً للصراع الذي لا يُغلق بالنسيان. إن القضايا العادلة لا تموتُ بالوحشية، وإسرائيل مهما استعادت من جثامين، ومهما نبشت من قبور، لن تستطيع الهروب من مسؤوليتها عن "إبادة" سُجلت بالصوت والصورة.

في غزة، قد لا يجد الشهداء كفناً ولا عدسة كاميرا تبكيهم، لكنهم حفروا أسماءهم في وعي الأرض.. الأرض التي لا تخون موتاها، ولا تنسى دم المقاومين.

المصدر / فلسطين أون لاين