﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182]
من مستنقع إبستين إلى محرقة غزة: سنن الله في سقوط الظالمين
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 6–8]، منذ أول آيات الوحي، يكشف القرآن قانونًا أبديًا: الاستغناء الموهوم يقود إلى الطغيان، والطغيان يقود إلى السقوط. القراءة لم تكن مجرد دعوة للمعرفة، بل تأسيسًا لوعي يبدأ بالله وينتهي إليه، لأن العقل إذا انفصل عن الوحي صار أداةً للهوى، والإنسان المخلوق من علق إن لم يتعلّق بالأعلى تعلّق بالأدنى، فكانت نهايته في أسفل سافلين.
مستنقع إبستين لم يكن فضيحة أفراد، بل شهادة حضارية دامغة على سقوط إنسانٍ أُطلق له العنان بلا لجام؛ حين يمتلك كل شيء يفقد لذّة الأشياء، فيبحث التوحّش. هنا يتحقق قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5]. وفي محرقة غزة، انكشف الوجه الآخر للسقوط والإسقاط في مستنقع الصهيونية وفق بروتوكولات حكماء صهيون بإدارة موساد أميركا الذي كانت تقوده يوماً سارة نتنياهو: محرقة جماعية تُدار بدم بارد على يد أرباب الرذيلة في جزيرة الماخور العار، حيث وحدة الجريمة والصمت والغطاء الدولي، لتتجلى صورة الظلم الكوني الذي لا يفرّق بين طفل وامرأة ولا بين حجر وشجر.
الحضارة الغربية التي تفوقت مادياً تعيش انهياراً قيمياً؛ العلم بلا قيم يتحول إلى تسليح للشر، والقوة المنفصلة عن الأخلاق تصبح أداة ظلم كوني. القرار العالمي لا يُصنع في قاعات براقة، بل في مستنقعات الرذيلة حيث تُشترى الضمائر وتُكسر القيم، وهناك يُفهم معنى قوله تعالى: ﴿لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4].
الأحزاب التي تقاطرت لتذبح غزة، وتبارت في سفك الدماء وتبرير المحرقة، هم أنفسهم الذين يقفون اليوم عراة أمام العالم في جزيرة إبستين؛ هناك حيث تنكشف المستورات، وتُفضح النخب التي باعت ضمائرها في سوق الرذيلة. إنهم يظنون أن قوتهم تحصّنهم، لكن السنن الإلهية تعمل في الخفاء: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182]. فكما استدرج فرعون حتى غرق، يُستدرج هؤلاء حتى ينكشفوا، ويُعرّوا، ويُهلكوا؛ ليشهد العالم أن الطغيان لا يحمي أصحابه، وأن الدماء التي أُريقت في غزة هي الشاهد الأعظم على زوالهم المحتوم.
الله تعالى لا يغفل عن الظالمين؛ يمهلهم ويستدرجهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. الهلاك وعد إلهي حتمي، وأسبابه البغي والاستعلاء والفساد وخيانة الأمانة وتزييف الوعي، فيما يشكّل السكوت العالمي شراكة في الجريمة. أشكال الهلاك تتنوع بين فضيحة بعد ستر، صراع داخلي، انهيار الشرعية، أو سقوط مفاجئ بعد ذروة، وقد يبدأ أخلاقياً قبل أن يكون مادياً.
في مقابل حضارة الإفساد الغربية التي تُعرّيها الفضائح وتُسقطها الجرائم، تقف الحضارة الإسلامية التي لخصها رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع، كأعظم وثيقة إصلاح عرفها التاريخ. هناك أعلن النبي ﷺ مبادئ حضارة تقوم على حرمة الدماء والأموال والأعراض: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [صحيح البخاري ومسلم]. وأكد وحدة الإنسانية في أصلها: «كلكم لآدم وآدم من تراب». وأرسى قواعد العدالة الاجتماعية: لا ربا، لا استغلال، لا ظلم، لا استعلاء.
هذه الخطبة الجامعة تمثل دستور حضارة الإصلاح، حضارة تجعل الأخلاق أساس القوة، وتجعل العلم خادمًا للحق، وتجعل التدافع سنّة لحماية الإنسان لا لاستعباده. إنها حضارة تُعلي قيمة الإنسان، وتربط القوة بالرحمة، وتحوّل النصر من مجرد غلبة عسكرية إلى مشروع قيمي متكامل يحفظ الحياة ويصون الكرامة.
إبستين ليس القصة بل الأداة؛ كما جعل الله فرعون عبرة، يجعل اليوم الفضائح عبرة. دماء غزة البريئة وجزيرة إبستين فضحتا سوءة النظام الدولي الأحادي، وكشفتا أن عقيدة القوة المادية والرذيلة ليست إلا عبادة جديدة للعجل. لكن القوة في الإسلام ليست ضيقًا ماديًا، بل عقيدة وإيمان وأخلاق، هي قوة الوحدة والتلاحم، قوة الروح والقيم التي تجعل حتى المحرقة طريقاً لسقوط حضارة اللا أخلاق وسقوط القيم الإنسانية والقانونية.
وهكذا، فإن سنة التداول ماضية، والنظام الدولي الظالم الساقط أخلاقياً إلى زوال. ميلاد النظام الجديد لن يكون بين عشية وضحاها، بل عبر مخاض عسير وآلام قاسية، وفي قلب هذا المخاض تقف غزة شاهدة على أن الأيام دول، وأن الحق لا يموت، وأن الطغيان مهما علا فإن رجعته إلى الله حتمية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

