مع تصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، برزت في الأشهر الأخيرة الساحة البريطانية ضمن إحدى أهم ساحات الحراك الشعبي والسياسي الداعم لفلسطين في الغرب. هذا الحراك لم يعد حكرا على الجاليات العربية أو الإسلامية، بل تحول إلى مساحة جامعة لقوى نقابية وأكاديمية وحقوقية، أعادت طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية عدالة إنسانية لا صراعا عابرا.
في هذه المقابلة مع "فلسطين أون لاين"، يقدم عدنان حميدان، ممثل المنتدى الفلسطيني في بريطانيا ومنسق حملة الأشرطة الحمراء للمطالبة بإطلاق سراح الرهائن الفلسطينيين، قراءة معمقة لدور العرب والفلسطينيين في بريطانيا، وتأثير الحراك الشعبي، وحدود الضغط السياسي، ومعركة الرواية داخل الغرب، وصولا إلى الخلفيات السياسية والإنسانية لإطلاق حملة الأشرطة الحمراء.
من التضامن الموسمي إلى الفعل المنظم
يرى حميدان أن دور العرب في بريطانيا شهد تطورا واضحا وملموسا في المرحلة الأخيرة، فالتعاطف التقليدي تحول إلى فعل عام منظم، وإن كان لا يزال بحاجة إلى مزيد من التراكم المؤسسي. ما يميز هذه المرحلة، بحسب حميدان، أن شريحة واسعة من العرب باتت تتعامل مع ما يجري في غزة بوصفه إبادة مكتملة الأركان وتطهيرا عرقيا، لا مجرد أزمة إنسانية مؤقتة.

منسق المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، عدنان حميدان
هذا الوعي انعكس بوضوح على طبيعة الخطاب، وعلى الحضور في الشارع والإعلام، وعلى التواصل المباشر مع النواب والمؤسسات، ما ساهم في إرباك الرواية السائدة وفرض القضية الفلسطينية في قلب النقاش العام البريطاني.
تأثير تراكمي وشرخ في الرواية الرسمية
يؤكد حميدان أن الحراكات الشعبية في الساحات البريطانية أحدثت تأثيرا حقيقيا إذا ما فهم هذا التأثير بوصفه مسارا تراكميا لا قرارا فوريا. فقد تحولت الإبادة في غزة من خبر عابر إلى قضية رأي عام، وارتفعت الكلفة الأخلاقية والسياسية على من يواصل دعم الاحتلال الإسرائيلي.
ويشير إلى أن ما يميز التظاهرات الأخيرة هو أنها لم تنطلق من منطق التعاطف، بل من منطق الاتهام المباشر بارتكاب إبادة وتطهير عرقي، إضافة إلى اتساعها واستمراريتها وتنوعها، فلم تعد تظاهرات جاليات، بل حراكا يضم نقابيين، وأطباء، وطلابا، وأكاديميين، ويهودا مناهضين للصهيونية، وحركات عدالة اجتماعية، مستخدمين لغة القانون الدولي والوقائع الدقيقة.
السياسة البريطانية.. ضغط موجود وانحياز مستمر
على المستوى السياسي، يقر حميدان بوجود تأثير للعرب والمسلمين في بريطانيا، لكنه تأثير غير متكافئ. فهناك ثقل انتخابي في دوائر محددة، وقدرة على إرباك الحسابات السياسية، إلا أن السياسة الخارجية البريطانية لا تزال محكومة بإرث استعماري وتحالفات أمنية ومصالح استراتيجية.
اقرأ أيضًا: مظاهرة حاشدة في لندن رفضاً لخطط ترامب وللمطالبة بالإفراج عن الأسرى
ويضيف أن السياسي البريطاني بدأ يشعر بضغط الشارع، وهو ما يظهر في تغيّر اللغة ومحاولات التراجع عن بعض التصريحات وفتح قنوات تواصل مع ممثلي المجتمع، حتى وإن لم يترجم ذلك إلى تغيير فوري في السياسات. أما استمرار الانحياز للاحتلال، فيعود – بحسب حميدان – إلى كون بريطانيا شريكا تاريخيا في تأسيس المأساة، ولا تزال تعتمد منطق "إدارة الجريمة" بدل وقفها، مع استخدام تهمة "معاداة السامية" لإسكات أي نقد جدي.
الأشرطة الحمراء.. كسر احتكار مفهوم الرهينة
وبخصوص حملة الأشرطة الحمراء، يشير حميدان إلى انطلاقها من لحظة سياسية وإنسانية فاصلة أعقبت وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، وما رافقه من الإفراج عن عدد محدود من الأسرى الفلسطينيين. في تلك اللحظة، برز خطر إغلاق ملف الأسرى أخلاقيا وإعلاميا، رغم بقاء أكثر من تسعة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، يتعرضون لأشكال ممنهجة من التعذيب والإهمال والاعتقال التعسفي.
اقرأ أيضًا: الأشرطة الحمراء".. حملة تنطلق عالميًا لكسر الصمت عن معاناة الأسرى
من هنا جاءت فكرة الأشرطة الحمراء كرمز بسيط ومباشر، مستمد من لون العلم الفلسطيني والدم الفلسطيني، ومن معنى القيد والسعي إلى الحرية. ويضيف حميدان، لم تكن الحملة فعلا عاطفيا، بل محاولة واعية لإعادة تعريف من هو "الرهينة"، وكسر الرواية الانتقائية التي تحتكر هذا المفهوم لتبرير الإبادة.
وأشار أن الحملة بدأت بوقفات ميدانية في لندن، ثم امتدت إلى مدن بريطانية وأوروبية، قبل أن تنتشر عالميا، وتتوج بيوم عالمي للأشرطة الحمراء في 31 يناير 2026.
ويشدد على أن الحملة نجحت في إعادة ملف الأسرى إلى الواجهة، وتقديم رمز تضامني مفتوح وعابر للحدود، ومنع تحويل الأسرى الفلسطينيين إلى أرقام منسية، بإعادتهم إلى الضمير العام حيث يجب أن يكونوا.

