قائمة الموقع

تعطيل اللجنة أم تعطيل غزة؟ كيف تُصنع رواية تُعفي الاحتلال من الجريمة

2026-02-04T07:40:00+02:00
فلسطين أون لاين

المشكلة ليست فيمن يجلس على الطاولة داخل غزة، المشكلة فيمن يمسك بمفاتيح الأبواب خارجها، من هذه النقطة يبدأ الفهم الصحيح، ومن دونها يضيع النقاش في التفاصيل الصغيرة ويُترك جوهر المسألة خارج الصورة، فالجدل الدائر حول إعاقة عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا يدور في حقيقته حول لجنة، ولا حول آلية تنظيمية، ولا حتى حول خلاف فلسطيني داخلي؛ هو يدور حول إعادة تعريف المسؤولية السياسية والأخلاقية عن كارثة مستمرة.

ففي اللحظة التي يُعاد فيها توجيه النقاش نحو اتهام طرفٍ محاصَر بأنه يُعطّل إدارة غزة، تكون الرواية قد أنجزت أخطر ما فيها، وهو نقل مركز الاتهام من القوة التي تملك السيطرة الفعلية على الأرض والجو والمعابر والحياة اليومية، إلى مجتمعٍ واقعٍ تحت الحصار والنار، وهنا لا يعود السؤال: هل تعمل اللجنة أم لا؟ إنّما يصبح السؤال الأخطر: كيف نجح الخطاب السياسي والإعلامي في جعل الضحية تبدو عائقاً، بينما يُختزل دور المُحاصِر إلى تفصيل خارجي؟

الجهة التي تتحكم في المعابر، وحركة الأفراد، وإدخال الوقود والمساعدات، والمجال الجوي، والمياه، والكهرباء، والاتصالات، هي وحدها التي تملك سلطة التعطيل الفعلية، أما القوى الموجودة داخل مساحة الحصار، فهي تتحرك ضمن هامش ضيق مرسوم بالقوة العسكرية نفسها، لذلك فإن تصوير الأزمة وكأنها ناتجة عن تعطيل داخلي هو تبسيط مُضلِّل، بل هو عملية تجميل سياسي لجريمة مُتأصلة في الواقع.

من هنا فإن السجال الدائر حول إعاقة اللجنة هو جزء من معركة السردية بعد المعركة، معركة تهدف إلى إعادة توزيع المسؤولية، وإنتاج متهمٍ بديل، وتخفيف العبء الأخلاقي والسياسي عن الفاعل الأصلي، إنها محاولة لإقناع الرأي العام بأن المأساة ناتجة عن خلل داخلي، لا عن نظام حصار وعدوان مستمر.

من يملك القدرة الفعلية على التعطيل؟

في السياقات الطبيعية تُقاس المسؤولية بميزان النية والفعل، أما في سياقات السيطرة العسكرية فتُقاس بميزان القدرة المادية على الفتح والإغلاق، وهنا يظهر الفارق الحاسم بين ما يمكن تسميته السيادة الشكلية والسيادة الواقعية.

السيادة الشكلية هي تلك التي تُرى في الهياكل، والمسميات، والمجالس، واللجان، والإدارات، أما السيادة الواقعية فهي تلك التي تتحكم في تدفق الحياة نفسها، من يعبر، وما يدخل، وما يُمنع، ومتى يتوقف كل شيء. الأولى تُدير الأوراق، والثانية تُدير الشريان.

في غزة يُقاس الفعل الإداري بحدود الهامش المسموح به تحت السيطرة العسكرية، فالمعابر هي مفاتيح السيادة اليومية، والوقود إذنٌ بالحياة المؤقتة، والكهرباء مساحة زمن يُسمح فيها باستمرار المجتمع، بهذا المعنى تتحول الموارد إلى أدوات ضبط، وتتحول الحركة إلى امتياز مُعلّق على قرار أمني.

العلاقة هنا بين سيطرة عسكرية شاملة وقدرة إدارية مُقيَّدة، وكل إدارة تعمل داخل هذا القيد فاعلًا داخل قفص سيادي، لذا فإن الحديث عن تعطيل داخلي يتجاهل الحقيقة التي تقول: لا يمكن لمن لا يملك المفاتيح أن يُتَّهم بإغلاق الأبواب.

صناعة المتهم البديل في الخطاب السياسي

عندما تكون الجريمة ذات طبيعة مستمرة، يصبح من الصعب الدفاع عنها مباشرة، فيُصار إلى تقنية أكثر دهاءً، وهي إزاحة مركز الجريمة دون إنكارها، هنا يظهر ما يمكن تسميته بآلية إعادة توزيع الذنب، وبدلاً من أن تبقى الكارثة مرتبطة بالواقع الذي يصنعها -أي نظام السيطرة والحصار- يُعاد تفكيكها إلى مشكلات جزئية، ثم تُنسب هذه الجزئيات إلى فاعلين محليين، وهكذا تتحول المأساة من نتيجة نظام قسري إلى نتيجة سوء إدارة. يتحول الاحتلال من فاعل إلى ظرف، ومن مصدر الأزمة إلى خلفية صامتة.

هذه السردية تؤدي وظيفة مزدوجة:

أولاً: تخفيف العبء الأخلاقي والسياسي عن الاحتلال عبر إغراق الصورة بالتفاصيل الإدارية.

ثانياً: إنتاج طرف فلسطيني بوصفه المعطِّل، تمهيداً لعزله سياسياً وتجريده من شرعيته الرمزية.

هنا لا يكون الهدف توصيف الواقع، إنّما إعادة هندسة الإدراك العام، وأخطر ما في هذه العملية أنها تُعيد تعريف الكارثة، فبدل أن تُفهم بوصفها جريمة ممتدة، تُفهم بوصفها تعثراً تنظيمياً، وبهذا التحول ينتقل النقاش من العدالة والحقوق والسيادة، إلى الإجراءات، واللوائح، وآليات العمل.

وهنا تُنتج الرواية أخطر نتائجها، حيث يُصبح النقاش حول مَنْ عطّل اللجنة؟ أعلى صوتاً من النقاش حول من يملك مفاتيح الحياة في غزة؟، وعندما يعلو السؤال الصغير فوق السؤال الجوهري، تكون السردية قد نجحت في إزاحة الجريمة من مركز الوعي دون أن تمسها في الواقع.

الفرق بين إدارة الأزمة وصناعة الأزمة

في بيئات مستقرة، يمكن تقييم أداء الفاعلين المحليين بمعايير الحوكمة الرشيدة، وكفاءة المؤسسات، وسلاسة الإجراءات، أما في غزة فالسلوك الإداري يُقاس بما يمكن تسميته بإدارة البقاء.

حين يقف موظف إغاثي أمام مخزن فارغ، وحين ينتظر سائق الإسعاف تصريح مرور، وحين تتوقف محطة تحلية لأن الوقود لم يدخل، فإن المشهد لا يعكس خللاً إدارياً بقدر ما يعكس إدارة حياة تحت سقف المنع، فالقوى المحلية هنا لا تتحرك في فضاء قرار حر، هي تتحرك داخل حقل قيود متحرك يتغير مع كل إغلاق معبر، وكل منع إدخال، وكل ضربة تطال البنية التحتية.

في هذه البيئة، يصبح التعامل مع أي جسم إداري أو إغاثي هو محاولة لتوسيع هامش التنفس المجتمعي، فالأولوية تكون لمنع الانهيار، بأن تبقى المستشفيات عاملة ساعة إضافية، وبأن تصل شحنة طحين، وأن يستمر ضخ الماء يوماً آخر، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين إدارة الأزمة وصناعة الأزمة، فإدارة الأزمة هي فعل احتوائي، يشتغل داخل الشروط المفروضة، ويحاول تقليل الخسائر، أما صناعة الأزمة فهي الفعل الذي أنشأ الشروط أصلاً: الحصار، المنع، القصف، وتفكيك البنية المجتمعية، والخلط بين الدورين يُمثّل إعادة كتابة للواقع بعيون القوة لا بعيون الضحايا.

لماذا يُراد حصر الأزمة في لجنة؟

لأن تقزيم الكارثة هو أول خطوة في تبريرها، فحين تُختزل مأساة بحجم غزة في مسألة تنسيق لجنة، يجري ما يمكن وصفه بالإزاحة المفاهيمية، حيث تختفي كلمات الاحتلال والحصار والعدوان من مركز الخطاب، وتُستبدل بمصطلحات تقنية باردة.

تصبح المأساة ملفاً إدارياً، وليس حالة استعمارية، وتصبح المشكلة في آلية العمل، وليس في البنية التي تمنع العمل، وبهذا التحول يُنقل النقاش من سؤال السيادة والحقوق إلى سؤال الإجراءات، من سؤال: لماذا يُحاصَر مجتمع؟ إلى سؤال: لماذا لا تُدار الأمور بكفاءة؟

هذا التحويل يخدم هدفاً سياسياً واضحاً، وهو نزع الطابع البنيوي عن الجريمة، فالملف الإداري يمكن تحسينه وتعديله والتفاوض حوله، أما الجريمة البنيوية فتتطلب مساءلة سياسية وقانونية وأخلاقية، لذلك يُفضَّل إبقاء النقاش في مستوى اللجنة، لأنه مستوى يمكن احتواؤه دون المساس بجذر المشكلة.

معركة الرواية بعد المعركة

الحرب في غزة لا تنتهي بصمت المدافع؛ إنها تتحول إلى حرب على المعنى، فبعد أن يُدمَّر الحجر، يبدأ الصراع على تفسير ما جرى، وهنا تظهر مرحلة إعادة هندسة الوعي: من هو الضحية؟ من المسؤول؟ ما الذي يجب أن يتغير؟

في هذه المرحلة يُعاد توزيع الصفات، فمن يُوصَف اليوم بأنه معطِّل قد يُراد غداً تجريده من شرعيته السياسية والأخلاقية، التوصيف هنا يُمثّل بذرة قرار مستقبلي، حيث أنّ السردية التي تُرسَّخ اليوم في الإعلام والسياسة تصبح لاحقاً أساساً لمواقف دولية، وضغوط، وشروط.
ولهذا فإن معركة السردية تُعتبر جزء من معركة الواقع، ومن ينجح في تعريف المشكلة، ينجح في تعريف الحل، وإذا عُرِّفت المأساة على أنها خلل إداري، فسيكون الحل إدارياً، أما إذا عُرِّفت على أنها نتيجة نظام سيطرة وحصار، فسيكون الحل سياسياً وحقوقياً.

حين تعود الحقيقة إلى بابها

في النهاية، تعود المسألة إلى بساطتها القاسية، من يملك القدرة على المنع يملك المسؤولية، ومن يعيش داخل نطاق المنع لا يُسأل كمن يفرضه، كل ما سبق من -تفكيك مفهوم السيادة، إلى كشف آلية المتهم البديل إلى توصيف سلوك الإدارة تحت القسر، إلى فضح تقزيم الكارثة- يقود إلى استنتاج واحد وهو أنّ الأزمة في غزة هي أزمة سيطرة مفروضة بقوة السلاح.

ومن هنا تتضح دلالة المثال الحيّ الذي يتكرر اليوم في الواقع، لجنة تكنوقراط يُقال إنها الحل الإداري المنتظر، لكنها لم تبدأ عملها فعلياً حتى اللحظة، هذا التوقف لا يُقرأ في فراغ سياسي، فعندما تكون الأرض مهيّأة للتسليم الإداري من طرف محلي، بينما يبقى التنفيذ معلّقاً، فإن السؤال لا يكون: من على الطاولة؟ السؤال المنطقي يقول: من الذي لم يفتح الباب أصلاً؟

إن إبقاء اللجنة في حالة انتظار، مع استمرار النقاش حول تعطيل داخلي، يكشف الفجوة بين السردية والواقع، فلو كانت المشكلة فعلاً في الإرادة المحلية، لما وُجدت ترتيبات ميدانية للتسليم، ولا خطاب يعلن الاستعداد للتنازل الإداري لصالح تخفيف العبء عن الناس، لكن حين تُختزل الصورة في اتهام جاهز، بينما تبقى مفاتيح الحركة والموارد والضمانات خارج متناول الداخل، فإننا نكون أمام مشهد نموذجي لإزاحة المسؤولية.

هكذا تكتمل دائرة الرواية: يُحاصَر المجتمع، ثم تُعطَّل شروط حياته، ثم يُقال إن أزمته إدارية، ثم يُسأل المحاصر: لماذا لم تُدِر حصارك بكفاءة؟

المعركة إذن لم تكن يوماً حول لجنة، المعركة الحقيقية هي حول تعريف الجريمة، وما لم يُسمَّ الفاعل باسمه الحقيقي، سيبقى الضحية مطالباً بتبرير نجاته، وسيبقى المُحاصِر خارج قفص الاتهام.

الأزمة في غزة لا تبدأ من اجتماع لجنة، الأزمة تبدأ من نظام حصار، ومن لا يملك مفاتيح الأبواب، لا يمكن أن يُتَّهم بإغلاقها، ولهذا تعود الجملة الأولى لتكون الخلاصة النهائية:

المشكلة ليست فيمن يجلس على الطاولة داخل غزة، المشكلة فيمن يمسك بمفاتيح الأبواب خارجها.

اخبار ذات صلة