يواصل الاحتلال الإسرائيلي تعطيل دخول حكومة التكنوقراط الفلسطينية الموجودة في جمهورية مصر العربية إلى قطاع غزة، على الرغم من فتح معبر رفح الحدودي، ما يحول دون مباشرتها مهامها الإنسانية والإغاثية لصالح سكان القطاع.
ويعكس الإصرار الإسرائيلي على منع دخول لجنة التكنوقراط غياب الجدية في الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والإبقاء على السكان تحت وطأة الضغط والظروف المعيشية القاسية، إلى جانب استمرار تعطيل إدخال المساعدات الإنسانية.
طالع أيضًا: هآرتس: (إسرائيل) تعرقل بدء عمل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة
وكان من المفترض، وفق التفاهمات المبرمة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن تبدأ حكومة التكنوقراط عملها فور تثبيت وقف إطلاق النار، على أن تتصدر أولوياتها تنظيم دخول المساعدات الإنسانية، والإشراف على إعادة الإعمار، وتسهيل سفر الجرحى والمرضى، وإعادة الحد الأدنى من انتظام الحياة المدنية. غير أن الاحتلال لم يلتزم بتطبيق أي من بنود الاتفاق، وواصل خروقاته المتكررة.
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة أن (إسرائيل) تراهن أساسًا على خلق حالة من الهشاشة في مجمل هذه الترتيبات، بما يقود في نهاية المطاف إلى انهيارها.
وأوضح هلسة، لصحيفة "فلسطين"، أن جزءًا كبيرًا من هذه الهشاشة مقصود ومتعمد من الاحتلال، بهدف إقناع الطرف الأمريكي بأن الآليات المطروحة لم تحقق ما تريده (إسرائيل)، وبالتالي تبرير سلوكها وخروقاتها المتواصلة.
الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة: "(إسرائيل) تراهن أساسًا على خلق حالة من الهشاشة"
وأشار إلى أن التراخي الأمريكي وغضّ الطرف عن استمرار الخروقات الإسرائيلية شكّلا عمليًا ضوءًا أخضر للاحتلال، بحيث يصبح مستوى الالتزام مرهونًا بـ«مقاسات (إسرائيل)» لا بما تم الاتفاق عليه نظريًا.
طالع أيضًا: تعطيل متعمد.. لماذا تؤخر "إسرائيل" دخول حكومة التكنوقراط لغزة؟
وبيّن أن إطار «مجلس السلام» لم يتضمن آليات ضامنة وواضحة تُلزم الطرف الإسرائيلي بالتنفيذ، ما أتاح له رسم جدول أعمال المرحلتين الأولى والثانية وفق رؤيته الخاصة.
وبحسب هلسة، فرضت (إسرائيل) في المرحلتين سقوفًا تعاملت معها لاحقًا باعتبارها «حقوقًا مكتسبة»، رغم أنها نتجت عن تعديات واضحة، سواء على المستوى العسكري أو عبر تعطيل المعابر ومنع المساعدات.
ولفت إلى أن الاحتلال ثبّت إجراءاته الميدانية بما يخدم مصالحه في ظل رقابة ضعيفة، فيما ظل المعبر أداة سياسية بامتياز، ولم يتحول إلى متنفس حقيقي لأهالي غزة.
وعلى الصعيد المدني، أكد هلسة أن لجنة التكنوقراط ما تزال رهينة القبول الإسرائيلي بالقدوم والعمل، متسائلًا: إذا كان هذا هو الواقع في الإطار المدني، فكيف سيكون الحال في الآليات اللاحقة؟
وأضاف أن المحصلة النهائية تتمثل في تكريس واقع مأساوي يسعى الاحتلال إلى استدامته، بحيث يبقى القطاع منطقة غير صالحة للحياة، مع إعادة طرح فكرة التهجير في أسوأ السيناريوهات.
من جهته، أكد المحلل السياسي سامر عنبتاوي أن الاحتلال لم يلتزم أصلًا في المرحلة الأولى، وبالتالي لا ضمانات لالتزامه في المرحلة الثانية التي تتضمن استحقاقات كبرى، مثل فتح المعابر، وإعادة الإعمار، وتحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في القطاع.
وأوضح عنبتاوي لـ"فلسطين" أن اللجنة الإدارية المطروحة ليست مستقلة بالمعنى الكامل، إذ يسعى الاحتلال إلى تشكيلها وفق مقاساته من حيث الصلاحيات والأشخاص، مشيرًا إلى أنها لم تُمنح حتى الآن المرجعيات والمهام الواضحة التي تمكّنها من العمل.
المحلل السياسي سامر عنبتاوي: "اللجنة الإدارية المطروحة ليست مستقلة بالمعنى الكامل"
ويرى أن الاحتلال سيتعمد عرقلة الإجراءات عبر المماطلة وطرح ذرائع متعددة، بهدف إدامة المواجهة المفتوحة مع الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار مخططات التهجير في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأضاف أن اللجنة ستتسلم واقعًا شديد القسوة يتمثل في دمار واسع، ونقص حاد في الغذاء، وانهيار قطاعات التعليم والصحة، وسائر مناحي الحياة التي دمّرها الاحتلال.
وحذّر من أن المماطلة الإسرائيلية ستنعكس مباشرة على أداء اللجنة أمام المواطنين، ما يؤكد أن حرمانها من الصلاحيات والامتيازات اللازمة سيؤثر بعمق في حياة السكان.
ووصف واقع غزة بأنه حياة مثقلة بالمصاعب، في ظل اقتصاد منهار، وبطالة تتجاوز 80%، وحرمان آلاف الطلبة من التعليم، وتفاقم الأزمات الاجتماعية، وتعطّل فتح المعابر؛ وهي ملفات أساسية يفترض أن تتولاها اللجنة، لكن الاحتلال يواصل تعطيلها.
ويتفق الخبيران على أن دور الوسطاء لا يرقى إلى المستوى المطلوب، إذ لا يمارسون ضغطًا حقيقيًا على الاحتلال لإجباره على الالتزام ببنود وقف إطلاق النار وتنفيذ استحقاقاته.
وقال هلسة إنه لو وُجد ثقل حقيقي يوازي الثقل الإسرائيلي لما وصلت الأمور إلى هذا الحد، ولتوقفت الخروقات، مؤكدًا أن دور الوسطاء لا يؤثر فعليًا في (إسرائيل) ولا في الولايات المتحدة.
في المقابل، رأى عنبتاوي أن الوسطاء يراوحون مكانهم، داعيًا الدول العربية الثماني الضامنة للاتفاق إلى اتخاذ موقف أوضح، وإعلان عدم التزام الاحتلال بالاتفاق مقابل التزام المقاومة ببنوده، بما في ذلك تسليم الأسرى والجثامين.
وشدد على ضرورة ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية حقيقية، حتى لو تطلّب الأمر التلويح بالمصالح الأمريكية، معتبرًا أن هذه اللغة هي الوحيدة القادرة على التأثير في واشنطن.
وختم عنبتاوي بالقول إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وافق على الخطة مُكرهًا، ويسعى اليوم إلى المراوغة والمماطلة لأن المرحلة الثانية تتطلب ثمنًا سياسيًا وأمنيًا أكبر لا يريد دفعه، مشيرًا إلى أن الهدف غير المعلن يتمثل في تهجير السكان، واجتياح القطاع، والتفرّد بالضفة الغربية عبر سياسات الضم والتهويد، مستفيدًا من المناخ الدولي الراهن.