تعيش آلاف العائلات الفلسطينية وجعًا مفتوحًا لا يهدأ، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي باعتقال أبنائها وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، حيث يتحوّل الانتظار إلى عذاب يومي، وتمتزج مشاعر الخوف بالقلق والألم على مصير المفقودين خلف القضبان.
ولم تعد معاناة الأهالي مقتصرة على الاعتقال فحسب، بل تفاقمت مع جريمة الإخفاء القسري التي ينتهجها الاحتلال، وسط صمت دولي مريب، وغياب أي معلومات تطمئن العائلات حول مصير أبنائها، في ظل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
أمام هذا الواقع القاسي، يواصل أهالي الأسرى في قطاع غزة اعتصامهم الأسبوعي أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة، رافعين أعلام فلسطين، وصور أبنائهم المعتقلين، ولافتات تطالب اللجنة بتحمّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، والعمل الجاد من أجل الإفراج عن الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
كما دعا الأهالي المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ووقف الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، مؤكدين أن قضية الأسرى قضية إنسانية عادلة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
قتل بطيء
وقال الطبيب عيد صباح، مدير التمريض في مستشفى كمال عدوان، ووالد المعتقل محمد صباح، الذي اعتقله الاحتلال في 20 ديسمبر 2024 من داخل المستشفى شمال قطاع غزة، إن الأهالي خرجوا اليوم ليقولوا للعالم وللاحتلال ولكل المؤسسات الحقوقية: كفى تجاهلًا لمعاناة الأسرى.
ودعا صباح، في كلمة ألقاها متحدثًا باسم أهالي الأسرى، المؤسسات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى اتخاذ موقف شجاع وعاجل، والضغط على الاحتلال للإفراج عن الأسرى ووقف الظلم المستمر بحقهم داخل السجون الإسرائيلية.

مدير التمريض في مستشفى كمال عدوان، د. عيد صباح
وأكد أن الأسرى ليسوا أرقامًا، بل بشر لهم الحق في الحياة والحرية، وأن ما يتعرضون له من تعذيب جسدي ونفسي، وإذلال متعمد، وإهمال طبي، ومنع للزيارات، يشكّل جريمة ممنهجة ترقى إلى مستوى «القتل البطيء».
وأوضح أن الاحتلال يمارس سياسة الإخفاء القسري بحق أعداد كبيرة من الأسرى، في مخالفة صارخة للأعراف والمواثيق الدولية، ويرفض تزويد المؤسسات الحقوقية بأي معلومات عن مصيرهم، رغم المطالبات المتكررة.
وأشار إلى أن أسرى محرَّرين أكدوا وجود معتقلين لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة، معتبرًا أن الإخفاء القسري من أخطر الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين في القرن الحادي والعشرين.
وتساءل صباح، مخاطبًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر: «أين دوركم؟ أين تقاريركم؟ أين زياراتكم وحمايتكم للأسرى؟»، مؤكدًا أن الصمت الدولي شراكة في الجريمة، وأن التقاعس تواطؤ مرفوض.
واعتبر أن الحملة الرقمية الدولية «الأشرطة الحمراء» تمثّل صرخة عالمية لتذكير الضمير الإنساني بمعاناة الأسرى، مطالبًا المؤسسات الدولية بزيارة السجون، ووقف سياسة الإخفاء القسري، ونقل ملف الأسرى إلى جميع المحافل الدولية.
كما دعا إلى فتح تحقيق دولي في جرائم التعذيب، وتطبيق اتفاقيات جنيف، والإفراج الفوري عن جميع الأسرى، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، مؤكدًا أن الحراك سيستمر حتى إغلاق السجون بالكامل.
أخطر مرحلة
من جانبه، قال مروان أبو نصر، في كلمة لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، إن قضية الأسرى تمر بأخطر مراحلها، حيث تحوّل الاعتقال إلى سياسة قتل بطيء وأداة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني.
وأوضح أبو نصر أن 87 أسيرًا ارتقوا شهداء داخل سجون الاحتلال خلال 28 شهرًا، نتيجة الإهمال الطبي والتجويع والتعذيب، ما يؤكد أن الاحتلال ينتهج سياسة إعدام ممنهجة بحق الأسرى.

وأشار إلى أن عدد الأسرى بلغ مطلع العام الجاري نحو 9350 أسيرًا، بينهم أكثر من 3300 معتقل إداري دون محاكمة، و350 طفلًا تُنتهك طفولتهم خلف القضبان.
وأكد أن أسرى قطاع غزة يعيشون في قلب المأساة، ويتعرضون لظروف احتجاز غير إنسانية تشمل التجويع والضرب والعزل، معتبرًا أن ما يجري بحقهم يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية وفق القوانين الدولية.
وأشار إلى اتساع رقعة التضامن الدولي، وتحول قضية الأسرى إلى قضية عالمية، مؤكدًا أن الصرخات لن تهدأ حتى الإفراج عن جميع الأسرى.
وحمّل أبو نصر الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة الأسرى، داعيًا إلى تحرّك قانوني دولي لمحاسبته، ومطالبًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر بكسر صمتها، وزيارة السجون، وكشف الحقيقة أمام الرأي العام العالمي.
وأكد أن تحرير الأسرى واجب وطني لا يقبل المساومة، وجزء لا يتجزأ من معركة الحرية والعودة، مثمّنًا التحركات التضامنية الدولية التي تكسر العزلة المفروضة على الشعب الفلسطيني.
ووفق تقارير حقوقية فلسطينية، يعتمد الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 سياسة تجويع ممنهجة بحق الأسرى، إلى جانب الإخفاء القسري والإهمال الطبي وانتشار الأمراض، ما أدى إلى وفاة العشرات، وسط تقديرات بوجود شهداء لم يُكشف عن هوياتهم بسبب سياسة الإخفاء القسري.
كما تشير تقارير مؤسسات الأسرى إلى أن الاحتلال يحتجز أكثر من 9350 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًا حتى مطلع يناير 2026، في ظروف غير إنسانية، مع تصاعد سياسات الاعتقال الإداري والإخفاء القسري.

