على حافة رصيف ما يزال يغطيه دخان الحرب، يقضي الشاب عمر حجو (31 عامًا)، الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، ساعات النهار الطويل جالسًا خلف بسطة صغيرة عليها ملابس أطفال، بمقاسات وألوان مختلفة.
ولجأ حجو إلى هذا العمل محاولاً توفير احتياجات زوجته وابنته "تاليا" البالغة عامًا ونصف العام، بعدما ضاقت به الحياة، وتدهورت أوضاعه المالية من جراء الحرب المدمرة.
وكان حجو، وهو من سكان مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، وتحديدًا مقابل المستشفى الأوروبي، نزح إلى منزل أقاربه في مدينة غزة، بعد أن دمر جيش الاحتلال منزله وحال دون وصوله إلى منطقة سكنه الواقعة قرب مناطق تمركز جيش الاحتلال خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر".
الشاب البالغ (31 عامًا)، كان قد أنهى قبل الحرب دراسة بكالوريوس علوم سياسية وإعلام من الجامعة الإسلامية، وحصل على ماجستير في تخصص إدارة الأعمال من الجامعة ذاتها، وناقش رسالته إبَّان الحرب.

يقول لـ "فلسطين أون لاين": "لم أتوقع يومًا أن أصبح صاحب بسطة صغيرة، لم يكن هذا حلمي، كنت أتمنى إكمال تعليمي والحصول على وظيفة تكافئ تعب السنين".
حجو، الذي يضع بسطته الصغيرة في قلب حي الرمال، بمدينة غزة، وعلاوة على أنه كان يخطط لإنهاء دراسته الجامعية وافتتاح مشروعه الخاص بعد التخرج، كان أيضًا قبل الحرب يكتب لعدة مواقع إخبارية وينشر فيها العديد من المقالات، لكنها تضررت بسبب انقطاع الكهرباء والانترنت في أوج الحرب ونتج عنه خسائر كبيرة، ما أدى إلى انقطاع عمله معها.
إلا أن الحرب التي بدأها جيش الاحتلال في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واجتاحت القطاع على مدار عامين من القتل والتدمير، لم تترك له شيئًا من تلك الخطط، فقد دُمر منزل عائلته، وتعطلت أحلامه، وتلاشت فرص العمل، فوجد نفسه مضطرًا إلى بيع الملابس في واحدة من الأعمال المتعددة التي عمل فيها منذ اندلاع الحرب وبدء مأساة النزوح مع عائلته.
يضيف: "ما يهمني اليوم ليس إكمال حلمي، بل تأمين لقمة العيش لزوجتي وطفلتي".
ومع حلول موسم عيد الفطر، يحاول حجو استغلال إقبال الأمهات على شراء ملابس لأطفالهن، إذ يعرض أشكالاً من البلاطين والفانيلات بألوان مختلفة رغم تراجع القدرة الشرائية لمعظم العائلات.

وتنتشر البسطات الموسمية في الشوارع الشاهدة على حجم الدمار الكبير الذي حلَّ بها خلال الحرب، وقد وجد فيها مواطنون من كِلا الجنسين فرصة لتحقيق ربح قليل يسدون به رمق عوائلهم التي أنهكتها الحرب ومرارة النزوح.
في كشكٍ قريب على رصيف ساحة الجندي المجهول في حي الرمال، تقف بسمة فؤاد (45 عامًا) تحت سقفه المغطى بشادر بلاستيكي. تتسارع يداها وهي تعدّ مشروبات ساخنة للزبائن القادمين إلى الاستراحة التي تعمل فيها مع زوجها أشرف محمد (56 عامًا).
تقيم هذه العائلة حاليًا تحت سقف خيمة مُثبتة بالقرب من برج بنك فلسطين، الآيل للسقوط جراء الأضرار البالغة التي خلَّفها القصف الإسرائيلي، وحوله من عنوان للحداثة والحركة التجارية، إلى موت مؤجل يهدد النازحين في ساحة الجندي المجهول التي تصطف فيها تتناثر خيام الإيواء.
سابقًا، كانت بسمة وعائلتها تسكن في شقة بحي التفاح، شرق مدينة غزة، لكن الحرب الذي طالت الحي ودمرت شقتهم بالكامل، واستمرار انتهاكات الاحتلال في تلك المناطق، أجبرهم وغيرهم من العائلات على النزوح والبحث عن ملاذٍ آمن غرب المدينة.

تقول لـ"فلسطين أون لاين"، إن زوجها كان يعمل في مجالات مختلفة قبل الحرب.. كان قادرًا على توفير احتياجاتنا، لكن الحرب أفقدتنا كل شيء، منزلنا، ومصدر دخلنا".
تدرك هذه السيدة، أنها لا تملك أي خيارات أخرى سوى العمل برفقة زوجها أملاً بتوفير قوت العائلة مع تراجع الدعم الإغاثي ومنع الاحتلال إدخال كميات كافية من المساعدات بكميات الإنسانية، وتوقف العديد من "التكيات" التي كانت تقدم الطعام مجانًا للمواطنين.
بالقرب من مفترق السرايا، وسط مدينة غزة، يقف الشاب وسيم فضل (28 عامًا) خلف بسطة خشبية صغيرة أقامها على جانب طريق تضررت مبانيه بشكل واسع. يضع فوقها بعض المواد الغذائية وعبوات من زيت الطعام، التي اشتراها رغم ارتفاع ثمنها، مؤخرًا، نتيجة تلاعب الاحتلال المستمر بأعداد الشاحنات المسموح لها بالمرور إلى غزة.
كان وسيم يسكن في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، وهو الحي الذي دمره جيش الاحتلال بشكل شبه كامل، وتقع أجزاء واسعة منه تحت سيطرته العسكرية. ولم يجد هذا الشاب سوى النزوح مع والديه وشقيقه تحت خيمة أقامها بالقرب من برج وطن في شارع الجلاء، بمدينة غزة.
يقول لـ"فلسطين أون لاين": قبل الحرب كنت أعمل في مصنع خياطة، وأحصل على دخل مناسب أساعد بواسطته في إعالة أسرتي وتوفير بعض احتياجاتهم، اليوم لا مجال أمامي سوى البسطات".
وأضاف: "نعيش ظروفًا إنسانية قاهرة، وإذا لم أعمل وأوفر القليل من الدخل، فلن نتمكن من توفير طعامنا".
وكانت الحرب التي اجتاحت قطاع غزة، دمرت مشاريع البنية التحتية للمصانع والأسواق والمحال التجارية، والمؤسسات المحلية وحتى الدولية أيضًا.
وكان رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سامي العمصي، أفاد في تصريحات صحفية، بأن نسبة البطالة في قطاع غزة تجاوزت 95 بالمئة، فيما لم يعد العامل يبحث عن عمل لأن قطاعات العمل قد تلاشت.

