في غزة حيث يلتقي الدم بالتراب وتختلط أنفاس الأطفال بالغبار تكتب التاريخ قصة مأساة لا تنتهي. تخيلوا طفلة صغيرة اسمها شام في السابعة من عمرها ربما تحمل جثمانها الهش في خان يونس بعد أن أحرقتها نار غارة إسرائيلية في خيمتها . صورة لها مغلفة بالبياض الدامي تنقل بين الأنقاض كدليل على وحشية لا تبرر.
وهناك الطفلة زينة ابنة الثماني سنوات وأختها مريم ذات الست سنوات قتلتا في غارة على شقة في مدينة غزة مع جدتهما وعمتها. أجسادهن الصغيرة في المستشفى تروي قصة عائلة مزقتها السياسة قبل أن تمزقها القذائف هؤلاء الشهداء ليسوا أرقاماً في تقارير بل أرواح كانت تلهو وتحلم قبل أن يحولها الاحتلال إلى شهداء. وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية قتلت الغارات الإسرائيلية في ذلك اليوم وحده 31 فلسطينياً بينهم ستة أطفال ونساء في أحد أكثر الأيام دموية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر.
لكن هذه الدماء ليست مجرد حوادث عابرة كما يدعي الإعلام الإسرائيلي. إنها جزء من استراتيجية ممنهجة ترجمة ميدانية لسياسة بنيامين نتنياهو في تخريب كل جهد للسلام والهدوء. في فبراير 2026 وبينما يعلن العالم عن إعادة فتح معبر رفح جزئياً للمشاة يستمر التصعيد. منذ وقف النار سجلت مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة استشهاد 216 فلسطينياً على الأقل بعيداً عن "الخط الأصفر" بينهم 46 طفلاً و28 امرأة في هجمات على خيام النازحين. والكارثة الإنسانية أعمق: 2.1 مليون فلسطيني نازحون يعانون من نقص الغذاء والرعاية الصحية مع 11 طفلاً ماتوا من البرد في يناير وحده. غزة هذا الشريط الضيق تحول إلى سجن مفتوح حيث يستخدم الجوع سلاحاً والأطفال دروعاً بشرية في لعبة السياسة.
أما الجانب السياسي فهو يرتبط بالإنساني كالجذر بالشجرة. يأتي هذا التصعيد متزامناً مع إعلان تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) في 16 يناير 2026 برئاسة الدكتور علي شعث كجزء من المرحلة الثانية لخطة دونالد ترامب الشاملة لإنهاء الصراع والتي تضم 20 نقطة للنزع السلاح والإعادة الإعمار. هذه اللجنة المكونة من 15 تقنياً فلسطينياً تهدف إلى إعادة بناء الخدمات المدنية تحت إشراف "مجلس السلام" برئاسة ترامب نفسه مع أعضاء مثل جاريد كوشنر وتوني بلير. ويعلن نتنياهو أن غزة "ملكنا" عبر بتسلئيل سموتريتش الذي يدعو لإعادة الاستيطان. هذا التوقيت ليس صدفة: التصعيد يهدف إلى إرباك اللجنة قبل بدئها وإثبات أن غزة غير قابلة للإدارة المدنية مما يفرغ المرحلة الثانية من مضمونها ويضعف ثقة الرعاة الدوليين.
يا للسخرية! نتنياهو هذا المجرم يستخدم الدم الفلسطيني كورقة في لعبته الانتخابية. كأنه يقول لترامب: "خطتك جميلة على الورق لكنني سأحرقها على الأرض". وترامب الذي يرأس مجلساً يضم قطر وتركيا يجد نفسه أمام عقبة إسرائيلية تخرب كل تقدم. أليس هذا تكراراً لتاريخ الشرق الأوسط حيث يضحى بالأبرياء لصالح أجندات كبرى؟
لكن المظلومية هذه ليست نهاية. غزة بشهدائها مثل شام وزينة ومريم تذكر العالم بأن السلام ليس هدية بل حق. يجب أن يدين المجتمع الدولي هذا التصعيد كأداة لتعطيل السلام ويضغط لتنفيذ خطة ترامب كاملة بما فيها الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار. ففي النهاية التاريخ لا يغفر لمن يبني مستقبله على دماء الآخرين غزة تنتظر عدالة لا مزيداً من الدم.

