فلسطين أون لاين

طريقٌ مختلفٌ وبلاغٌ قاد “أسامة شريم” إلى الشهادة

تقرير مجزرة في قلب الشيخ رضوان… قصف مركز شرطة يعيد غزة إلى مشاهد الإبادة

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

في لحظةٍ واحدة، تبدّل المشهد داخل مركز الشرطة في منطقة الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة. تصاعد الدخان كثيفًا، وتناثرت جثامين الشهداء والمصابين في ساحة المركز، وسكن المكانَ صمتٌ ثقيل بلا حركة، لا يقطعه سوى صراخ سيدة نجت من القصف، تستغيث لإسعاف امرأة كانت ترافقها، تمدّدت على الأرض مضرجة بدمائها، في حين تحاول بيدين مرتجفتين الإمساك بهاتفها والاتصال بعائلتها.

وعلى مقربة من المشهد، كان آخرون يحملون جثامين الشهداء نحو السيارات، في حين حاول شبّان في زاوية أخرى إزالة الركام عن بعض الجثث لنقلها إلى المستشفى، حتى قبل وصول سيارات الإسعاف والدفاع المدني، وسط صراخ وبكاء من هول المجزرة.

40a97695-0eca-4b5c-8c19-576db4cb31df.jpg
 

أعادت المجزرة إلى ذاكرة أهالي القطاع مشاهد أيام الإبادة، إذ لم يتوقف القصف لساعات، واكتظّت المستشفيات بالشهداء والمصابين، رغم العجز الحاد الذي وصل إلى 52% في الأدوية، و71% في المستهلكات الطبية.

وسبق عدوان الاحتلال أمس على قطاع غزة إعلانٌ إسرائيلي عن فتح معبر رفح اعتبارًا من يوم الأحد، ما دفع الأهالي إلى ترقّب عودة العالقين في الخارج، وبدأ المرضى بتجهيز حقائبهم للمغادرة، قبل أن يتبيّن أن الإعلان لم يكن سوى تضليل، لعدوانٍ مفاجئ شنّه الاحتلال صباح السبت، واستهدف خيام إيواء ومراكز شرطة.

d62f6daa-eaeb-4f70-90c0-e22ba832e9eb.jpg
 

مسارٌ تغيّر

للمرة الأولى، غيّر أسامة شريم (31 عامًا) طريقه المعتاد إلى عمله. كان يذهب يوميًا إلى محل للهواتف الخلوية في منطقة الرمال وسط المدينة، ويخرج من منزله متجهًا نحو شارع الجلاء على دراجته الهوائية، لكنه استيقظ صباح السبت ليجد دراجته مفقودة، فغيّر مساره وتوجّه إلى مركز شرطة حي الشيخ رضوان لتقديم شكوى.

بعد مغادرته بنحو نصف ساعة، دوّى انفجارٌ عنيف هزّ الحي، لكن شقيقته إسراء شريم (24 عامًا) لم تتوقع أن يكون شقيقها من بين الشهداء، كونه سلك طريقًا مغايرًا لم يعتد عليه. تروي لصحيفة فلسطين، بقلبٍ مثقل بالفقد: "لا يسلك أخي هذا الطريق، لذلك استبعدنا أن يكون من بين الشهداء… كان الأمر صادمًا لنا".

efa49ca8-3147-4017-973c-205842463069.jpg


في 28 يونيو/حزيران 2025، كانت العائلة قد تعرّضت لاستهدافٍ سابق أثناء نزوحها في مدرسة إيواء، أسفر عن استشهاد والده تيسير خالد شريم، وشقيقه أحمد (14 عامًا)، فيما نجت شقيقاته بإصابات متفاوتة. تستذكر إسراء: "يومها لم يكن أسامة معنا، لكنه ظل متأثرًا باستشهاد أبي منذ سبعة أشهر، ولم نستطع تضميد جراحنا السابقة، حتى فتح الاحتلال جرحًا جديدًا".

كان هذا الفراق حاضرًا دائمًا في كلمات أسامة على صفحته في “فيسبوك”. ففي 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي كتب: "والله يا أبي، فراقك ليس خسارة عامٍ مضى، بل خسارة عمرٍ بأكمله، وجع لا يجبره الزمن ولا تخففه الأيام".

وفي 24 يناير/كانون الثاني كتب: "اليوم ذكرى ميلادي، لكن قلبي يرتجف بدل أن يفرح. كبرت عامًا جديدًا يا أبي، لكنك لست هناك لتقول لي: كل عام وأنت بخير. ما زال غيابك أثقل من أي وجع، واشتياقي لك يكبر أكثر من عمري نفسه. رحلت شهيدًا إلى الجنة… أشتاق لصوتك، لدعائك، ليدك التي كانت الأمان".

ترك أسامة خلفه شقيقين وأربع شقيقات. ومع استشهاد ثلاثة من أفراد العائلة، أصبح محمد (18 عامًا) السند الجديد لأخواته، بعد رحيل شقيقه الأكبر أسامة، الذي حاول تعويض دور والده، فكان – كما تصفه شقيقته – "الأخ الحنون والسند، يرضي الصغير والكبير، وكل من عرفه يشهد له بأخلاقه. عندما قُصف بيتنا استضافنا في شقته وكان سندنا بعد أبي".

كما خلّف أسامة طفلين: تيسير (ثلاث سنوات ونصف)، الذي يحمل اسم جده، وطفلته الرضيعة “سما”، التي أبصرت النور قبل أربعين يومًا فقط، لتعيش اليُتم مبكرًا، قبل أن تكبر لتعرف ملامح والدها.

هزّاتٌ مفاجئة

لحظة قصف مركز شرطة الشيخ رضوان، كان المواطن أسامة لبد على بُعد مسافة قريبة من المكان، ليعيش لحظات مرعبة على وقع انفجارات وهزّات عنيفة، أعقبها تصاعد كثيف للدخان وتطاير الشظايا والركام في سماء المنطقة التي تضم مخيمات إيواء. يصفها بأنها لحظات “تحبس الأنفاس”.

يقول لبد لصحيفة فلسطين: "كنت أرى الصواريخ تنهال على المركز بشكل مفاجئ. كان الناس عائدين من السوق، وهناك مواطنون قصدوا المركز لتقديم شكاوى بعد يوم عطلة أسبوعية، فيما كان الجميع يترقّب أخبار فتح المعبر وقدوم لجنة التكنوقراط، ونعيش حالة هدوء حذر".

وأعاد الاستهداف إلى ذاكرته مشاهد القصف خلال الحرب، مضيفًا: "نحن نتحدث عن مركز يقع في حي مكتظ بالسكان، تعرّض لتدمير واسع في البنية التحتية والمراكز الصحية خلال الحرب. حتى مركز الشرطة، الذي افتتح قبل الحرب بأشهر، سبق أن استُهدف، وأُعيد ترميم الطابق الأرضي لاستكمال الحياة وفضّ النزاعات".

تحت أنظار طائرات الاحتلال، كان المركز يمارس عمله كشرطة مدنية تقدّم خدماتها لأهالي الحي، لكن وجود المدنيين داخله لم يمنع الاحتلال من ارتكاب المجزرة.

ويؤكد لبد أن المركز شكّل “قلب الحي النابض”، من خلال ملاحقة اللصوص، وضبط الأسواق، وفضّ النزاعات، واستقبال شكاوى المواطنين، ما أسهم في ضبط الحالة الأمنية، وهو ما ظهر جليًا في طبيعة الشهداء، إذ كان كثيرون منهم داخل المركز لتقديم شكاوى لحظة الاستهداف.

ولم يمنع قصفٌ سابق للمركز، أدى إلى استشهاد نائب مديره وعدد من عناصره، من مواصلة العمل، قبل أن يلتحق بهم أمس مدير المركز المقدم رامي رياض المبيض، والرائد محمد مصطفى كلوب، والرائد نجود يوسف المدهون، والملازم محمود محمد شنار، والملازم رياض نافذ الدلو.

انقلاب ورسائل

وصف المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، د. إسماعيل الثوابتة، ما جرى بأنه انقلابٌ على اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الاحتلال لم يلتزم بالاتفاق منذ 111 يومًا على إبرامه، وارتكب نحو 1400 خرق، أسفرت عن استشهاد أكثر من 530 مواطنًا.

وحمّل الثوابتة، في حديثه لصحيفة فلسطين، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن المجازر، إضافة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لصمته عن الجرائم، مطالبًا الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالتدخل العاجل، والكشف عن الجهة التي تعرقل تنفيذه، محذرًا من أن الصمت يمنح الاحتلال غطاءً لمواصلة المجازر.

بدوره، رأى الناشط المهتم بشؤون المقاومة محمد الشريف أن تركيز الاحتلال على استهداف مركز شرطة يندرج ضمن محاولاته المستمرة لإحداث فراغ إداري وأمني في غزة، ونشر الفوضى، بما يخدم أهدافه في إرهاب السكان، وإظهار غزة كمنطقة غير آمنة وغير صالحة للحياة، لدفع الناس نحو الهجرة القسرية.

وأكد الشريف لـ"فلسطين" أن عودة الشرطة والأمن بسرعة عقب وقف إطلاق النار، وسيطرتهم على الشارع وضبط الحالة الأمنية، شكّلت تحديًا وإحراجًا لحكومة نتنياهو أمام حلفائها، مشيرًا إلى أن استهداف أمس يهدف إلى إعادة القطاع إلى مربع الفوضى، وإرباك المشهد في ظل الحديث عن ترتيبات إدارية جديدة، وإرسال رسائل تحدٍ للمجتمع الدولي بأن الاحتلال ما زال صاحب اليد العليا في غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين