فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾             (هود: 118)

غزة تُحترق… وقلوبنا تنقسم!

في زمن الدم، ليس الاختلاف رجولة، بل يتحوّل إلى خذلان حين يجرّك إلى طعن أخيك بدل نصرة قضيتك. فغزة ليست رأيًا سياسيًا يُناقش على طاولات الجدل، بل ملحمة تُروى بدماء الشهداء، ومقاومة تكتب التاريخ من تحت الركام. فرفقًا بغزة، ورفقًا بمن ثبتوا حين ارتجف العالم؛ لا تجعلوا من اختلافكم سهمًا آخر في خاصرتها. إن «الطوفان» لم يأتِ ليُفرّق، بل ليُطهّر، ويعيد ترتيب البوصلة.

محرقة غزة، التي أكلت الأخضر واليابس، كانت – ولا تزال – موضع اختلافٍ بين مؤيّد ومعارض ومتحفّظ، وما ترتّب على ذلك من خلافات حادّة في المجالس وعلى منصّات التواصل. وبعيدًا عن الخوض في «الطوفان» وأسبابه وعظيم فعله، فإن الواجب اليوم أن ينصرف الحديث إلى فقه الاختلاف؛ لأن الخلاف حين يُدار بلا وعي يتحوّل من ظاهرة صحية إلى معول هدم داخلي.

الاختلاف سنّة من سنن الله في الكون والخلق؛ فلا تتوقّعوا يومًا اتفاق الناس على شأن أو قضية أو شخص. قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.

فالاختلاف ليس شرًّا كلّه، بل قد يكون خيرًا إذا أُحسن تحويله إلى تكامل، وفق فلسفة أدب الاختلاف؛ وهو ما نحتاجه – كعرب وفلسطينيين – منهجًا تربويًا يُغرس في أجيالنا لتقويم السلوك، وبناء الوعي، وتعلّم فن الاختلاف.

علينا أن نمارس هذا الأدب في كل دوائر المجتمع: الأستاذ مع طلابه، والأب مع أولاده، والأقارب والجيران فيما بينهم؛ والغاية أن نُسهم في نشأة جيلٍ قياديٍ حرّ، صاحب رأي مستقل، لا جيل «إمّعة» يُقلّد ولا يُفكّر.

تكمن خطورة الاختلاف حين يتحوّل المختلف معك – من أخيك أو أبناء شعبك – إلى عدو. العاقل هو من يُحسن إدارة الخلاف ليحوّل العدو إلى صديق، لا العكس. فالناس ليسوا أبيضَ وأسودَ بالمطلق؛ بل بينهما مساحات واسعة من الألوان. والنموذج الرفيع للاختلاف الراقي ما جرى بين أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما؛ اختلافٌ أغنى الرأي ولم يُفضِ إلى شقاق أو نزاع. وكذلك كان شأن أئمة الإيمان والفقه والعلم، حيث كان الاختلاف بابَ إثراء لا بوابة قطيعة.

أما الخطر الأكبر في الاختلاف، فهو الخلط بين الموضوع والشخص؛ حين ننزلق من نقد الفكرة إلى الطعن في صاحبها، فنُضيّع الحق ونُحوّل النقاش إلى شخصنة، تصحبها لغة هابطة من سباب وشتم. وما كان النبي ﷺ طعّانًا ولا لعّانًا ولا صخّابًا، وقد ورد:

«إن الله يبغض الفاحش المتفحّش البذيء».

ومن العدل والصدق أن تُنصف المختلف معك وألّا تظلمه؛ قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فالتعصّب للرأي ليس من صفات المؤمن، وقد قال ﷺ:

«أحبِبْ حبيبك هونًا ما، وأبغِض بغيضك هونًا ما»،

وقال ﷺ: «ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه».

ومن الظلم لغزة وأهلها، ولمقاومتها وشبابها، ولشهدائها البررة وصبرهم الأسطوري، أن نختصر هذه الملحمة في موقف فئوي أو رأي قاطع متعصّب، فيما المحرقة مستمرة. إن الخلاف في هذا التوقيت قد ينقلب تخذيلًا وإحباطًا إن لم يُدار بوعي ومسؤولية. المطلوب أن نرى الصورة كاملة، من دون أن نُبرّئ الاحتلال من جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومن دون أن نُصادر حق النقاش المسؤول.

لقد أذهلت مقاومة غزة الاحتلال وأسقطت أسطورته الواهنة، وفتحت مرحلة جديدة من الصراع بكل ما فيها من صخبٍ وعنفوان وتضحية وفداء. وفي هذه اللحظة التاريخية، يصبح أدب الاختلاف واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا: نختلف بلا تخوين، نناقش بلا سباب، ننتقد بلا طعن، ونتوحّد حيث يجب أن نتوحّد.

الخلاصة:

الاختلاف قدرٌ، لكن إدارته خيار.

وغزة لا تحتمل أن نُضيف إلى نارها نارَ خلافنا.

فليكن اختلافُنا وعيًا، لا خنجرًا؛

وقوةً أخلاقية، لا صدعًا داخليًا؛

ونصرةً للقضية، لا خدمةً لعدوّها.

المصدر / فلسطين أون لاين