فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

{ لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }        الزمر53

في محرقة غزة التي تتزلزل الأرض تحت أقدام الشجعان، نرى صبرًا يتحدى الألم ورضا يتحدى القهر، حيث يشتد الإيمان ويتجلى التسليم بحكمة القدر، كما قال الله في كتابه: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" (الحديد 22). هناك، حيث تتهاوى البيوت وتموت الأرواح، يقف أهلنا كالجبال الراسخة، لا ينكسرون، بل يرددون دعاء الصبر الذي يختزل كل المعاناة: "ربنا أفرغ علينا صبرًا" (البقرة 250)، وهم الذين فقدوا الأحبة، الأبناء، الزوجات، والآباء، لكن عزيمتهم لا تلين، وثباتهم لا يضعف، لأنهم يعلمون أن ثمن النصر لا يُقاس إلا بدماء الشهداء، وبأنهم مرابطون في أرضهم المقدسة بقلوب تلهج بالتسبيح والصلاة، مترقبين وعد الله بالنصر القريب: "نصر من الله وفتح قريب" (الصف 13). هذه ليست مجرد قصة صبر، بل هي ملحمة إيمان تكتبها أيدي الحرية في زمن الظلم، حيث لا مكان لليأس، ولا مخرج إلا بالثبات، فالرضا بقضاء الله ليس هزيمة، بل هو وقود المقاومة، وعزم على الاستمرار، في سبيل فجر يشرق من قلب الحصار، وتاريخ يُعيد رسمه أبطال غزة الأوفياء الذين لا يرضون إلا بالحرية والكرامة تحت ظل العدل الإلهي.

{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الحديد 22. نشهد مقادير الله تعالى الغالبة في محرقة غزة، ويقابلها أهل الصبر والرباط فيها بتسليم مطلق ورضا كامل بما قدره الله عز وجل. فهو مكتوب: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} آل عمران 154.

كل هذا يمنح جرعة صبر عجيبة: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} البقرة 250؛ فتجد أبناء شعبنا العظيم يفقدون الولد بل الأولاد، والزوجة، والأم، والوالدين، ويفقدون البيت وبيوت الأبناء، ثم مصدر الرزق ومحلات ومخازن البضاعة. ولا يقابل ذلك إلا بصبر عجيب وتسليم مطلق. كان الله تعالى خلقهم لهذا في انتظار ما عنده وفي انتظار خواتم تليق بما قدموا، وثبتوا في الأرض المقدسة مرابطين، وأن يكتب لهم خاتمة الشهادة، ويجتمعوا مع أهلهم في الفردوس الأعلى، داعين الله أن يمنحهم متعة لذة النظر إلى وجه الله الكريم، وصحبة الحبيب محمد ﷺ، وأن يشربوا من يده الشريفة شربة ماء لا يظمؤون بعدها أبدًا، وأن يحوزوا أجر الصابرين: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر 10.

ومع كل محطة، يجددون نية الصبر لله تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} المدثر 7، متمنين مقام المحسنين: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 22.

نعم، إنه الإيمان المطلق والتسليم الكامل: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} التوبة 51. (وأن ما أصابنا لم يكن ليخطأنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

وأن الحول والقوة من الله تعالى، وإنما نحن جزء من المقادير تجري عليها ومعها سنن الله تعالى ومشيئته الغالبة، مع فهم وإدراك وممارسة لسنة الأخذ بالأسباب. فهذه مسألة مترابطة مع تحقيق قدر الله الغالب في التسليم بقدره.

والرضا بقضاء الله لا يعني الهزيمة أو التوكل بل العمل على أساسه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم} الأنفال 60. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران 159. {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّـلْ عَلَى اللَّهِ} آل عمران 159. في كل ذلك مقاومة الهزيمة والحزن والاستسلام: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة 40. {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} الشعراء 62.

ومع كل ذلك، ترقب وانتظار وعد الله تعالى والنتيجة الحتمية لأهل غزة يقينًا أن هذه معركة كبيرة، والثمن باهظ، وتم الأخذ بالأسباب والتضحية بكل شيء. والأجر على قدر المشقة، والنتيجة وفقًا لمقدماتها. فعاقبتها بإذن الله القدير: {نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} الصف 13.

المصدر / فلسطين أون لاين