﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)
غزة، ذلك الجرح المفتوح على بساط التاريخ، هي أكثر من مكان؛
إنها معنى، ورمز، وبوصلة.
من عسقلان المباركة إلى أكناف بيت المقدس، تجمّعت فيها ملاحم البطولة والفداء التي لم تعرف الانكسار، فكانت رأس الحربة في صراع الأرض والكرامة، في وجه عدوٍّ يعبث بالمقدسات ويستهدف الوجود، دون أن يدرك أن في هذه الأرض تتشكّل أسطورة لا تموت.
أسطورة تكتسب كل يوم أبعادًا جديدة من الإلهام والرمزية، تعانق القلوب، وتنهض منها أجيال المقاومة كعرين أسود لا يلين.
من شيخٍ قعيد يؤسّس بصموده حركةً لا تعرف الخنوع، إلى دماء الشهداء التي تروّض الألم وتزرع الأمل، تبدو غزة كقصةٍ لا تنتهي؛
ملحمة من نور في ظلام الاحتلال، تأخذنا إلى وعد الآخرة الباهر، حيث النصر لا يُنتظر بل يُصنع، بإيمان لا يخبو، وصبر لا ينكسر، وحافز لا ينتهي.
هناك يُكتب تاريخ جديد، يُلهم كل من يهفو إلى العدل والحق، كأنه نهر من العزة لا يجف مهما اشتدّت المحن.
إن الإلهام والرمزية من أهم أدوات صناعة التغيير، في مسارات الحرية والكرامة، بل وحتى في النجاح بالمعنى الدنيوي. فالشعوب تصنع قدوات شاخصة أمامها، تتحوّل إلى مصادر إلهام ورمزية وحافز للوصول إلى الأهداف عالية الطموح.
وغالبًا ما تكون هذه النماذج تاريخية أو بعيدة جغرافيًا عن بيئة المقتدين، فتتّسع الفجوة بين المثال والواقع، وتضعف القدرة على القياس، فيتراجع مستوى الإلهام.
أما غزة، وعلى وجه الخصوص، فقد صنعت إلهامها ورمزيتها من داخل الزمن نفسه، وعلى مدار تاريخها القصير في هذه المرحلة في المقاومة والنهوض والتحرّر الوطني. فهي تملك عناصر مكتملة الأركان، غنيّة بالرمزية والإلهام.
المكان هو غزة؛ عسقلان، خير رباطكم، وأكناف بيت المقدس، وساحل الشام.
وتاريخيًا، هي أرض ملاحم وبطولة لا نظير لها في جولات الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر. حتى قيل إن اسمها “غزة” مشتق من الغزو، فكانت رأس حربة، ووطن فداء وتضحية، ومركزيةً وثباتًا ومقاومةً على مرّ العصور.
والزمان المعاصر هو زمن احتدام الصراع، في محطة حاسمة بعد ستة وسبعين عامًا من الاحتلال الذي سبقه انتداب، حيث بلغ التدافع ذروته، واقترب القتال من النقطة صفر، في مواجهة رأس حربة الشر في العالم، المتمثّل في الإبادة والنازية المعاصرة.
أما الأشخاص، فتفيض صورتهم بالرمزية والإلهام من قلب المرحلة نفسها. وفي مقدّمتهم شيخٌ قعيد يؤسّس ويقود حركة مقاومة تغدو ملء السمع والبصر. وليس ختامًا، يرتقي قائدها مشتبكًا من نقطة الصفر في مشهدٍ ملحميٍّ ملهم، تفوّق – من حيث الأثر الرمزي – على صورٍ شهيرة في التاريخ المعاصر وربما الأبعد، كصورة تشي غيفارا، فضلًا عن أجيال متتابعة من القادة والخنساوات في كل مرحلة.
ويبقى النص:
فالقرآن حاضرٌ في معركة وعد الآخرة، وبشارة التحرير لأرض التكريم بالقداسة والبركة، كما تحضر أحاديث النبي ﷺ عن الطائفة المنصورة، والدعاء لشهداء عسقلان وبيت المقدس، والاشتياق إليهم.
نصوص لا تُقرأ للتسلية، بل تُستدعى لتغذية الثبات، وتوليد المعنى، وصناعة حافز لا ينتهي في المقاومة والصبر.
وهكذا، لا تكون غزة مجرد ساحة صراع، بل أسوة حيّة.
ولا يكون صمودها مجرد ردّ فعل، بل فعل وعيٍ وتاريخٍ ورسالة.
وفي زمن تتكسر فيه النماذج، تبقى غزة نموذجًا كامل الأركان…
يُعلّم كيف يُصنع الثبات، وكيف يتحوّل الألم إلى طريق.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)

