فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
(العنكبوت: 2–3)

في أتون محنة غزة الكبرى، تتجلّى سُنّةُ الله الغالبة التي لا تتبدّل ولا تحابي؛ سُنّةُ الابتلاء والتمحيص، حيث تُوزَن القلوب بميزان الصدق، ويُختَبَر الناس على قدر إيمانهم، فتتكشّف الحقائق عاريةً من الزيف، ويُفرَز الصفّ فرزًا لا مواربة فيه ولا التباس.

غزة، وهي تخوض امتحانها الأعسر، لا تعيش مأساةً إنسانيةً عابرة، بل تقف في قلب لحظةٍ كونيةٍ فاصلة؛ لحظة إعدادٍ عظيمٍ للاستخلاف، ومواجهةٍ صادقة بين الحق والباطل. هناك، في لهيب الألم، يُثبّت الله الذين آمنوا، ويُمحى المتخاذلون، وتتحوّل دماء الصابرين إلى مشاعل هداية للأمة، تذكّرها بأن طريق النصر لا يُعبَد إلا بالصبر، ولا يُفتَح إلا باليقين.

وفي مقابل هذا الثبات الأسطوري، تقف قوى الظلام التي ملأت الأرض فسادًا وعداءً لله ورسله، متوهّمةً أن سطوتها دائمة، وأن قبضتها على مفاصل العالم قدرٌ لا يُرد. غير أن سنن الله لا تُخادَع؛ فما يبدو تمكينًا ليس إلا استدراجًا، وما يُظن قوةً إنما هو تسارعٌ نحو السقوط المحتوم. فالله يُمهل ولا يُهمل، ويستدرج أعداءه من حيث لا يعلمون، بينما لا ينال المؤمنين منهم إلا أذًى عابرًا، لأن وعد الله حق، والنصر آتٍ لا ريب فيه.

إن ما تعيشه غزة منذ أكثر من عامين من عسرةٍ محرقة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، ليس إلا تجلّيًا حيًّا لسُنّة الله في الابتلاء، وتمحيصًا قاسيًا لإعداد الشعب الفلسطيني، ومن خلاله إعداد الأمة كلّها، لمرحلةٍ قادمة تُرسَم بمدى الثبات والصدق في هذا الامتحان. وهو، في الوقت ذاته، اختبارٌ فرديّ لكل مؤمن، يقدّم روحه وماله وصبره قربانًا لله، وثمنًا لتحرير الأرض المغتصبة.

والله، جلّ في علاه، يعلم السرائر قبل أن يُظهرها، لكنه لا يحاسب عباده بعلمه الغيبي عنهم، بل بعدلٍ يُظهر الحقيقة على مسرح الفعل:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ (آل عمران: 179)،
فتأتي الفتن كاشفة، ويأتي الأذى محدود الأثر:
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ (آل عمران: 111).

وهي، كذلك، محنة المواقف؛ حيث يُترَك شعبٌ بأكمله وحيدًا في مواجهة محرقةٍ نازيةٍ سادية، بلا نصيرٍ إلا الله. لكنه، في المقابل، يقدّم للعالم صورةً نادرة لصبرٍ لا ينكسر، وهو يرفع أكفّه إلى السماء مردّدًا:

﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 250).

فمن عصمه الله ثبّته:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: 27)،

ويُهيّئ بالابتلاء أولئك الذين استحقّوا شرف النصر بعد الامتحان، ليحملوا أمانة الاستخلاف الثقيلة: انتصارًا على الشهوة، وانحيازًا للحق، وثقةً مطلقة بوعد الله وما عنده.

أما الطغاة والمحتلّ الظالم، من عصابات الإبادة ومن ساندهم ومدّهم بالسلاح والغطاء، وفي مقدّمتهم أمريكا، فرغم ما يملكون من أدوات البطش والقوة، ورغم انغماس مجتمعاتهم في الرذيلة ومحاربة الفطرة والدين، فإنهم يسيرون – بيقين الوحي – نحو نهايتهم:

﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: 5)،

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (القلم: 44، الأعراف: 183).

وهكذا تُكتَب ملحمة غزة: ملحمة الصبر واليقين، بدماء الأبطال، وعلى صفحات تاريخٍ لن تُمحى، شاهدةً أن العزّة للحق، وأن العاقبة للمتقين، وأن درب الابتلاء – مهما طال

المصدر / فلسطين أون لاين