تجلس جوري صبيح، ذات الأعوام العشرة، في زاوية هادئة داخل مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمدينة غزة، وتحدّق طويلًا في شاشة هاتف والدتها. لا تبحث عن صورة عابرة، بل عن وجه والدها؛ تمرّر أصابعها الصغيرة على ملامحه، تبتسم حينًا، وتصمت طويلًا حينًا آخر، كأنها تحاول أن تُعيده من خلف الزجاج… أو من خلف القضبان.
منذ أكثر من عام، تحوّل انتظار جوري إلى طقس يومي، انتظار اسم، أو خبر، أو موعد إفراج، يعيد إليها أباها رائد صبيح (37 عامًا)، الإعلامي الفلسطيني الذي اختفى قسرًا في سجون الاحتلال، تاركًا خلفه عائلة مثخنة بالجراح، وطفلة لم يبقَ لها من والدها سوى صورة.
من تحت الركام إلى الزنزانة
في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2023، لم يكن رائد صبيح يعلم أن نجاته من قصف إسرائيلي دمّر منزل العائلة في شارع يافا بحي التفاح شرق مدينة غزة، ستكون مجرد محطة قصيرة قبل رحلة اعتقال طويلة. فبعد ساعات من انتشال العائلة من تحت الأنقاض، وأثناء مرافقته زوجته وبناته الثلاث المصابات إلى المستشفى، بدأت فصول المأساة التالية.
تستعيد نور أبو حصيرة، زوجة رائد، تلك اللحظات بصوت مثقل بالتعب، قائلة: إن القصف خلّف إصابات بالغة في صفوف العائلة. فقد أُصيبت هي بكسور شديدة في ساقها اليمنى استدعت تركيب بلاتين، إضافة إلى كسر في الكتف، بينما أُصيبت جوري بكسور وجروح متفرقة، وتعرضت ماريا (4 أعوام) لكسر في الجمجمة، وأصيبت مها (3 أعوام) بكسور وجروح مختلفة، ما اضطرهم للبقاء في المستشفى لتلقي العلاج.
اعتقال من سرير الشفاء
لكن الألم لم يتوقف عند حدود الإصابة. ففي فجر الثامن عشر من آذار/ مارس 2024، اقتحمت قوات الاحتلال مجمع الشفاء الطبي للمرة الثانية، ودمّرته وأخرجته عن الخدمة. في تلك الليلة، اعتقل الجنود رائد صبيح من داخل المستشفى، وتركوا زوجته وبناته المصابات يواجهن مصيرهن، قبل أن يُجبروهن على النزوح جنوبًا بزعم “المناطق الآمنة”.
الطفلة جوري صبيح تلقي قصيدة خلال الاعتصام الأسبوعي لأهالي الأسرى (تصوير: فلسطين أون لاين)
بعد أشهر من الغياب القسري، بدأت خيوط الحقيقة تتكشف. تقول أبو حصيرة إنها علمت، عبر أسرى محررين، أن زوجها تعرّض لضرب مبرح أثناء التحقيق، أدى إلى كسور في يده اليمنى وأضلاعه، قبل نقله إلى معتقل “سديه تيمان” ثلاثة أشهر، ثم إلى سجن “عوفر” ستة أشهر، وأخيرًا إلى سجن “نفحة”.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف عن البحث. “طرقت كل الأبواب، وسألت كل من خرج من السجون عنه، كنت أريد فقط أن أعرف… هل ما زال حيًا؟”، تقول الزوجة.
اعتصام وانتظار
أمام مقر الصليب الأحمر في غزة، تشارك أبو حصيرة في الاعتصام الأسبوعي لأهالي الأسرى، حاملة صورة زوجها، محاطة بعشرات الوجوه التي تشبه وجه جوري في انتظارها القاسي. تحاول التقاط أي خيط أمل من الأسرى المفرج عنهم، في ظل صمت دولي تصفه بـ“المخيف”.
نور أبو حصيرة، زوجة الأسير في سجون الاحتلال رائد صبيح
وتقول: إن وضع زوجها الصحي تدهور بفعل التعذيب وسوء ظروف الاعتقال، حيث أصيب بأمراض لم يكن يعاني منها سابقًا.
وتضيف: “ننتظر لحظة الإفراج عنه على أحرّ من الجمر”، معربة عن خوفها من سياسات التنكيل التي يتعرض لها الأسرى، خاصة مع اقتحامات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للسجون، وما يرافقها من تهديدات وتشديد للإجراءات.
وترى أبو حصيرة أن هذه السياسات تمثل “إعدامات بطيئة”، داعية المؤسسات الدولية والحقوقية إلى تحرك جاد قبل فوات الأوان.
أرقام خلف الحكاية
بدوره، قال ممثل لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية عصام أبو دقة: إن الأسرى الفلسطينيين يتعرضون لأبشع أشكال القمع داخل السجون الإسرائيلية، في ظل صمت دولي مريب، ورفض الاحتلال الإفصاح عن أعدادهم أو السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم.
وبحسب معطيات، حتى مطلع كانون الثاني/ يناير 2026، تحتجز سلطات الاحتلال أكثر من 9350 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًا، بينهم 350 طفلًا، إضافة إلى 3385 معتقلًا إداريًا دون تهمة، يشكلون أكثر من 36% من إجمالي عدد الأسرى، في ظروف توصف بأنها غير إنسانية، وسط حرمان من العلاج والغذاء والرعاية الصحية.
في نهاية الاعتصام، تعود جوري إلى صورة والدها. لا تعرف أسماء السجون، ولا تفاصيل القوانين الدولية، لكنها تعرف شيئًا واحدًا فقط: أن أباها لم يعد بعد. وبين صورة محفوظة على هاتف، وكرسي انتظار داخل مقر الصليب الأحمر، تكبر جوري على أمل أن يأتي يوم لا تحتاج فيه للصورة… لأن الأب سيكون حاضرًا من جديد.

