لم ينجُ الشاب عبد الله الكحلوت من القصف الإسرائيلي الذي دمّر منزل عائلته في غزة بجراحه فقط، بل خرج من تحت الأنقاض بحكاية نجاة ثقيلة الخسارة؛ فقد أخويه وأصيب معظم أفراد أسرته، في حين يواجه اليوم إصابة معقدة قد تحرمه القدرة على المشي إذا لم يتلقَّ علاجًا عاجلًا خارج القطاع.
عاش الكحلوت (18 عامًا) لحظات قاسية تحت ركام منزله بعد أن قصفته الطائرات الإسرائيلية فوق رؤوس ساكنيه، قبل أن يتمكن المسعفون من انتشاله بعد نحو ساعة من إصابته. لكن النجاة لم تكن نهاية المأساة، بل بداية رحلة طويلة من الألم والخسارة.
في تلك الغارة، فقد الشاب شقيقيه يوسف وشمس، بينما أصيبت شقيقته الكبرى، الطبيبة سارة، إصابة خطيرة أدت إلى بتر قدمها، كما أُصيبت والدته، فيما خرج هو بجراح بالغة ما زال يعاني آثارها حتى اليوم.
يروي الكحلوت تفاصيل تلك اللحظات قائلًا لـ "فلسطين أون لاين": "انتشلوني بعد ساعة تقريبًا من الإصابة، كنت في حالة خطيرة جدًا. نزفت بشدة حتى أصبحت نسبة دمي ثلاثة فقط، وكان ضغط الدم منخفضًا للغاية".
ويضيف أنه أصيب بشظايا في أنحاء مختلفة من جسده، إضافة إلى جروح وكسور متعددة، بينها بتر أحد أصابع يده اليمنى. ومكث شهرًا كاملًا في المستشفى حتى بدأت حالته تتحسن قليلًا.

لكن الإصابات التي تعرض لها تركت آثارًا معقدة على صحته. فالكحلوت يعاني من كسر في العمود الفقري جعله غير قادر على المشي بصورة طبيعية، إلى جانب قطع في عصب الساق اليمنى تسبب في ما يعرف بـ"سقوط القدم"، ما يجعله يمشي بصعوبة بالغة.
ويقول: "أعاني من سقوط في القدم يجعلني أمشي بصعوبة، كما أن قطع العصب وعدم علاجه أدى إلى ضعف في عضلات الساق اليسرى أيضًا".
اليوم، لا يستطيع الكحلوت السير إلا لمسافات قصيرة بمساعدة جهاز طبي ثُبّت في ساقه، بعدما أخبره الأطباء أنه بحاجة إلى عملية جراحية معقدة لا يمكن إجراؤها داخل غزة بسبب ضعف الإمكانيات الطبية.
ويخشى الشاب أن يؤدي استمرار إغلاق المعابر ومنعه من السفر للعلاج إلى فقدان فرصته في التعافي، خاصة أن الأطباء حددوا مهلة زمنية لإجراء العملية لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ الإصابة، التي وقعت في 30 أغسطس الماضي.

ولا يملك الكحلوت حاليًا أي خيار علاجي داخل القطاع، إذ لا يستطيع حتى الخضوع للعلاج الطبيعي قبل إجراء عملية ربط العصب.
وتتضاعف معاناته مع ظروف النزوح، إذ يعيش مع عائلته في خيمة بعد تدمير منزلهم. ويقول إن البيئة غير المستوية حول الخيمة تجعل حركته محفوفة بالمخاطر، مضيفًا: "أمشي مستندًا على كرسي أو عمود خشبي، وأخشى السقوط في أي لحظة".
ولا تتوقف آلامه عند الساقين، فالكسر في يده اليمنى لم يلتئم بعد، وما زالت الصفائح المعدنية في موضعها، فيما يعاني من تيبس في الكوع بسبب قلة الحركة، رغم محاولاته إجراء بعض تمارين العلاج الطبيعي.
اقرأ أيضًا: الصحة بغزة: استمرار إغلاق معبر رفح تهديدٌ مباشر لحياة الجرحى والمرضى
وعلى الرغم من كل ما مرّ به من إصابة وفقد ونزوح، لم يتخلَّ الكحلوت عن حلمه في مواصلة تعليمه. فقد تقدم لامتحانات الثانوية العامة وهو مصاب، ونجح في الحصول على معدل 87% في الفرع العلمي، ليلتحق حاليًا بدراسة هندسة الحاسوب.
ويأمل الشاب أن تلتفت المؤسسات الصحية الدولية إلى حالته وتعمل على إجلائه للعلاج خارج غزة قبل فوات الأوان، حتى يتمكن من استعادة قدرته على الحركة ومواصلة طريقه نحو حلمه بأن يصبح مهندسًا.
فبين ألم الجسد وذكريات المجزرة، ما يزال عبد الله الكحلوت يحاول أن يتمسك بحلم الحياة.

