فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿إِنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَيكَ القُرآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }القصص85

غزةُ التي تُقاتلُ بالرُّوحِ والدمِ، ملحمةٌ تُسطّرها أمٌّ مجاهدة، وفدائيٌّ صامدٌ، وشهداءٌ رُسمت أرواحهم بدمٍ طاهرٍ على صفحات المحرقة، رجالُ قرآنٍ يمشون على الأرض آياتٍ، حُفَّاظٌ صدقوا عهدهم مع الله ولم يبرحوا ميدان الصمود، رغم الجراحِ والتهجيرِ والجوعِ والعطش، يرفعون الصوت بالأذانِ وسط الركام، يقرؤون القرآنَ في مراكز الإيواء، يبنون مصلياتٍ على أنقاض الألم، يرسمون بنسائم الإيمان طريق الصبر والتحدي، صدى أذان الشيخِ المهاجرِ يحمل وعد العودة، فدماؤهم ليست نهاية بل جسورٌ تتوهجُ نحو النصر، فغزةُ ليست مجرد أرضٍ بل رسالةٌ تجوب العالم بقوة الإيمان وثبات القلب، تهزمُ كل محاولات الطمس والتنكيل، لتظلَّ شعلةً لا تنطفئ في وجه الظلم والعدوان.

ملحمة غزة العظيمة وصمود وصبر أهلها الأسطوري له مقومات ورموز وعناوين كثيرة، وفي طليعتهم الأم المجاهدة والفدائي المقاوم، ومنهم شهداء مجازر الفجر والجمعة في مصليات مراكز الإيواء والمدارس في محرقة غزة، ومنهم من ودّع أهله وزوجته وبناته وأولاده، ومن بقي جريحًا مبتور الأطراف مطلع المحرقة، وهم لم يبرحوا الأرض بل لم يغادروا رسالتهم، ومن عاش على شيء مات عليه، فهم لا نزكّيهم وأمثالهم على الله تعالى.

ومنهم الأئمة والعلماء وحفظة كتاب الله، رجال قرآن بل آيات تمشي على الأرض، من أوائل حفظة كتاب الله، وقائمون على مدارس تحفيظ، ومن مؤسسي فكرة صفوة الحفّاظ، وأوائل من سردوا القرآن على جلسة واحدة، وهم من قال الله فيهم: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} (الأحزاب: 23)، بالإشراف على مشروع سرد القرآن غيبًا بجلسة قبل المحرقة، الذي تُوّجت فيه غزة بآلاف الصفوة.

وحتى مع المحرقة والقتل الجماعي والجوع والعطش والتهجير، واصل رجال القرآن رسالتهم مع الإيمان والقرآن، مصداقًا لقوله تعالى: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 65)، فكانت مراكز الإيواء التي يجتمع فيها المهجّرون يطوفون بها لرعاية مراكز التحفيظ وتخريج الحفّاظ، وكذلك رعاية مشروع "بناء مصلى" باسم عالم شهيد في حرب الإبادة، وذلك في كل مركز إيواء، فعادت لصلاة الجماعة روحها، وارتفع صوت الأذان ولو في المركز.

ثم حملة "تبرع بمصحف لمسجد مدمّر"، بعد أن أُحرقت المصاحف في محاريب كانت مأوى أفئدة التالين لكتاب الله تعالى بكرة وعشيًا. ثم "حملة السرد القرآني" في جلسة واحدة في مراكز الإيواء في شمال غزة في يوم عرفة، حيث سرد 500 حافظ لكتاب الله، بل ومجزرة الفجر في التابعين كان يؤمها 100 حافظ للسرد على صلاة الفجر.
في مضمار آخر، كأنه صوت مؤذّن يرتفع من بين الركام، من بين بقايا البيوت، من أين هذا الصوت؟! قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ}(الحج: 27)، على طريق إبراهيم عليه السلام، صوت ضعيف يملأ المكان خلف الجدران المحطمة، صوت حاج شيخ تقدّم به العمر، وروحه وثّابة، وهو يهجّر من منطقة لأخرى، ويحمل معه عهدًا مع الله، ميكروفون يدوي يرفع فيه الأذان.

وعلى غراره مسجد مجاور مدمر بالكامل، نسمع فيه الأذان، إنه إمام المسجد، الشيخ الحافظ لكتاب الله، صاحب الصوت الملائكي، يحضر وولده كل وقت الصلاة، ليؤذّن الابن ويؤمّ الأب ويقيم جماعة، قبل أن تقتاده عصابات الإبادة إلى المجهول حيث ما زال مفقودًا.

هكذا يرحل رجال القرآن والعلماء العاملون، الذين نحسبهم والله حسيبهم شهداء، ودماؤهم الطاهرة جسر عبور للتحرير والعودة. إنهم وأمثالهم عناوين متعددة لملحمة خالدة، بقيت بهم غزة مجلجلة في رسالة مقاومة وثبات وتحدٍّ مستمر، تواجه عصابات الإبادة الأجرم في التاريخ.

المصدر / فلسطين أون لاين