قلّل رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان، الخبير السياسي جواد الحمد، من قدرة “مجلس السلام” الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على وقف الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار.
وكان الرئيس الأميركي قد أطلق رسميًا “مجلس السلام”، الخميس، من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، بمشاركة 21 دولة من أصل 35 وافقت على الانضمام. وفي السياق ذاته، أعلن رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، في كلمة مسجلة، أن معبر رفح سيفتح الأسبوع المقبل في الاتجاهين، دون تقديم تفاصيل حول آلية إدارته أو حجم المساعدات الإنسانية المسموح بإدخالها.
ميدانيًا، يتزامن إطلاق مجلس السلام مع مواصلة جيش الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار، منذ دخوله حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي أوقف جزئيًا حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين.
وأكد الحمد، لصحيفة "فلسطين"، أهمية قيام الطرف الفلسطيني بتزويد أعضاء مجلس السلام، بمن فيهم رئيسه ترامب، بوثائق ومعلومات موثقة حول الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى توجيه رسائل رسمية لأمانة سر المجلس، مع متابعة حثيثة مع الدول الأقرب، وعلى رأسها مصر وقطر وتركيا.
أهداف كامنة
واعتبر الحمد أن إعلان ميثاق مجلس السلام، ورفض عدد من الدول الأوروبية المشاركة فيه، يكشف عن تفكير كامن يتجاوز ملف غزة، ويعزز رؤية ترامب السابقة بتحويل القطاع إلى “ريفيرا”، في إطار محاولة لإحداث تغيير فكري واجتماعي وسلوكي لدى السكان، ونقلهم من حالة رفض الاحتلال إلى الانشغال بالحياة المعيشية والرفاه الاقتصادي.
وأضاف أن المجلس يسعى –بحسب قراءته– إلى التدخل المباشر في منظومة التعليم العام والجامعي، ليس فقط لإلغاء فكرة مقاومة الاحتلال والمطالبة بزواله، بل لدفع الفلسطينيين نحو قبول “السلام” والتعايش والشراكة معه، بما في ذلك مشاريع المناطق الصناعية الافتراضية.
وتابع أن التصور الاقتصادي الذي طرحه صهر ترامب، جاريد كوشنير، يعكس توجهًا لتحويل سكان غزة إلى قوة عاملة تخدم مشاريع ورأس مال الشركات الكبرى العابرة للقارات، وغالبيتها أميركية وإسرائيلية.
وأشار الحمد إلى أن نصوص ميثاق المجلس لا تتضمن أي إشارات إلى الاستقلال الفلسطيني، أو إنهاء الاحتلال، أو حق تقرير المصير، أو عودة اللاجئين، أو السيادة الفلسطينية، بل تؤكد الوصاية الكاملة على لجنة تكنوقراط لإدارة غزة، بما يُفرغ فكرة اختيار مجلس تشريعي أو حكومة منتخبة من مضمونها.
ورأى أن التعويل على مجلس السلام لا يتجاوز حدود إعلان وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، وفق الأهداف الظاهرة والمضمرة في الميثاق، بما يخدم مشاريع ترامب السياسية والاقتصادية.
وبشأن الجدل المتعلق بمحاولات إفراغ الأمم المتحدة من دورها، خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية، قال الحمد إن ذلك “محتمل وممكن داخل أروقة الإدارة الأميركية، لكنه غير عملي، ويواجه معارضة واسعة من أغلب دول العالم، وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي”.
وأوضح أن هجوم ترامب على الأمم المتحدة نابع من قناعاته الشخصية، إذ يعتبر أي مؤسسة لا يمتلك تأثيرًا مباشرًا عليها “فاشلة”، مشيرًا إلى أن تعطيل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي يعود أساسًا إلى الفيتو والضغوط الأميركية.
ضغوط وأبعاد سياسية
ونبّه الحمد إلى أن حكومة الاحتلال لم تكن لتقبل بوقف حرب الإبادة إلا ضمن أهداف التهجير القسري لسكان غزة، إلا أن رؤية الإدارة الأميركية كانت أوسع، ومرتبطة بمصالحها في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تغيير واقع غزة بحيث لا تشكّل أي تهديد مستقبلي لإسرائيل.
ولذلك مارست واشنطن ضغوطًا لوقف الحرب، وقدمت للاحتلال –وفق الحمد– فرصًا جديدة ضمن الخطة التي أعلنها ترامب، والتي تتبنى الرواية الإسرائيلية، وتوفر لها حماية سياسية وقانونية ودولية، وتوسّع من الدعم العسكري، وتُطلق يدها في ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا واليمن وغيرها.
وأشار إلى سكوت إدارة ترامب عن خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، بل وقبولها بها، إذ تروّج لالتزام (إسرائيل)، بينما تحمّل حركة حماس المسؤولية، وتواصل تهديدها بالسحق.
وآخر هذه التهديدات، بحسب الحمد، ما أطلقه ترامب خلال مؤتمر إعلان مجلس السلام في دافوس، حين منح حركة حماس مهلة ثلاثة أسابيع لنزع سلاحها، تحت طائلة “التدمير الكامل”.
وبيّن أن هذه التطورات السياسية تترافق مع إطلاق يد الاحتلال في الضفة الغربية، لتوسيع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والضم الزاحف، وتهجير سكان المخيمات، شريطة عدم الإعلان الرسمي عن الضم.
وختم الحمد بالتأكيد على أن مواجهة خروقات الاحتلال تتطلب موقفًا عربيًا وإسلاميًا موحدًا، يتبنى الرواية الفلسطينية، مع إرسال شكاوى موثقة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، مشددًا على ضرورة أن تُقابل الخروقات برد فلسطيني عملي، يرتبط بقدرات المقاومة، وقوتها الدبلوماسية، واستعداد الوسطاء لتحميل الاحتلال المسؤولية سياسيًا وقانونيًا.

