فلسطين أون لاين

سلامة القلب… الفرضية المنسية في إنجاح الأعمال

تُقاس الأعمال في عالمنا المعاصر بالأرقام: حجم الإنجاز، سرعة التنفيذ، دقة التخطيط، واتساع النفوذ. غير أن التجربة الإنسانية – قديمها وحديثها – تكشف عن حقيقة قلّما يُلتفت إليها في أدبيات النجاح: أن سلامة القلب ليست عنصرًا ثانويًا، بل هي الفرضية الأولى التي يُبنى عليها كل عمل ناجح ومستدام. كل عمل، مهما بلغ من الإتقان والتنظيم، إن لم ينطلق من قلبٍ سليم، فنجاحه مؤقت، ومآله إلى التآكل أو الانحراف. هذه الفرضية لا تُبنى على خطاب مثالي أو وعظي، بل على قراءة واقعية لمسار الأعمال والأفراد والمشاريع عبر التاريخ. سلامة القلب لا تعني الطيبة الساذجة، ولا الخلوّ من الحزم أو الذكاء العملي. بل تعني:

  • صفاء النيّة من التلاعب والخداع
  • التحرر من الحسد وحب الإقصاء
  • غياب العداء الخفيّ حتى في لحظات التنافس
  • حضور المسؤولية الأخلاقية عند امتلاك القوة

القلب السليم هو ذلك المركز الداخلي الذي لا ينفصل فيه الهدف عن القيمة، ولا يُبرَّر فيه الخطأ بحجة المصلحة. العقل يُحسن التخطيط، لكن القلب هو الذي يحدد اتجاه البوصلة. قد ينجح عقلٌ حادّ في بناء مشروع ضخم، لكن إن كان القلب ملوثًا بالجشع أو الكِبر أو الرغبة في السيطرة، فإن هذا النجاح يتحول إلى أداة هدم – ولو بعد حين. التاريخ مليء بنماذج عباقرة سقطت مشاريعهم لا لضعف الفكرة، بل لانهيار الداخل:

  • شراكات تفككت بسبب الغيرة
  • مؤسسات انهارت بسبب الاستعلاء
  • قيادات فقدت شرعيتها لأن قلوبها سبقت ألسنتها في الخيانة

العمل الذي يصدر عن قلبٍ مريض قد ينجح مرحليًا، لكنه:

  • يخلق بيئة مسمومة
  • يولّد مقاومة خفية من الداخل
  • يستنزف صاحبه نفسيًا وأخلاقيًا
  • يفقد البركة ولو تضاعفت الأرباح
  • بينما العمل الذي يصدر عن قلبٍ سليم:
  • يُكسب ثقة الناس دون تصنّع
  • يملك قدرة أعلى على الاستمرار
  • يتحمل الأزمات دون انهيار
  • يتوسع طبيعيًا لأن النفوس تميل إليه

وهنا لا نتحدث عن الغيب وحده، بل عن سلوك بشري يمكن رصده وتحليله. هناك فرق بين “النجاح” و“البركة في النجاح”. قد يحقق اثنان النتائج نفسها، لكن أحدهما يشعر بالطمأنينة والاتساع، والآخر بالقلق والفراغ. الفرق ليس في الأرقام، بل في حال القلب الذي أدار المسار. سلامة القلب تُدخل عنصرًا غير قابل للقياس، لكنه حاضر بقوة:

  • التوفيق
  • التيسير
  • القبول
  • حسن الخاتمة

كثير من المشاريع تفشل رغم توفر التمويل، والخبرة، والعلاقات. وعند التدقيق، يظهر العامل المسكوت عنه:

  • نيات متصارعة
  • قلوب لا تثق ببعضها
  • حسابات خفية داخل الفريق
  • رغبة في المجد الشخصي أكثر من نجاح العمل

هنا يصبح الفشل نتيجة طبيعية، لا استثناءً. إن سلامة القلب ليست زينة أخلاقية تُضاف بعد النجاح، بل هي شرطه الأول. وكل مشروع يتجاهل هذه الحقيقة، كمن يبني بيتًا فخمًا على أرض رخوة. قد لا تُدرَّس سلامة القلب في كليات الإدارة،

لكنها تُدرِّس وحدها درس البقاء. الأعمال الكبرى لا تُفسدها الأخطاء التقنية، بل تقتلها القلوب حين تمرض.

المصدر / فلسطين أون لاين