فلسطين أون لاين

عيد ميلاد بلا شموع

تقرير الذكاء الاصطناعي يجمع توأمًا فرّقته مجزرة في غزة

...
صورة أعدت عبر الذكاء الاصطناعي تجمع حذيفة بشقيقته الشهيدة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

في صورة لا وجود لها على الأرض، يقف توأمان أمام قالب حلوى مضاء بالشموع. تبتسم جنان بثوبها الوردي، ويشدّ حذيفة السكين بيدٍ صغيرة واثقة، كأن الحرب لم تمرّ من هنا، وكأن الصاروخ لم يسبق الضحكة. هذه اللحظة لم تُلتقط بعدسة كاميرا، بل وُلدت من ذاكرة أم، استعانت بالذكاء الاصطناعي لتعيد ابنتها الشهيدة إلى حضن الحياة في عيد ميلادها الثالث عشر.

لم تكن الصورة ترفًا رقميًا، بل محاولة إنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قلب أم فقدت زوجها وثلاثة من أطفالها في مجزرة واحدة. شيماء الغول، والدة التوأم حذيفة وجنان، لجأت إلى التكنولوجيا لتجمع طفليها في مشهد واحد، بعد أن فرّقتهما الحرب، وتركتهما في واقعين متباعدين: أحدهما على قيد الحياة، والآخر في الغياب الأبدي.

لكن خارج إطار الصورة، كان الواقع أكثر قسوة. فبينما تُضاء الشموع افتراضيًا، انطفأ الفرح فعليًا، وتحول يوم الميلاد إلى ذكرى ثقيلة تستحضر الفقد بدل الاحتفال.

نصف قلب في يوم ميلاد

في 23 يناير/كانون الثاني 2026، جلس حذيفة وحيدًا في مقر سكنه بالعاصمة القطرية الدوحة، إلى جانب والدته التي كانت تتعافى من عملية جراحية، وشقيقته الصغرى مريم (8 أعوام)، الناجية الوحيدة من المجزرة. لم يكن هناك قالب حلوى، ولا زينة، ولا ضحكات طفولية اعتادت العائلة أن تتقاسمها في مثل هذا اليوم.

تقول شيماء الغول لصحيفة فلسطين: “كنت أحرص كل عام على الاحتفال بعيد ميلادهما، أدعو العائلة، ونصنع الفرح بأيدينا. بعد استشهاد جنان، لم أجد سوى الذكاء الاصطناعي لأعيش لحظة تمنّيتها لو أنها لم تُسلب منّا”.

تسترجع الأم منشورًا كتبته قبل سنوات على “فيسبوك”، احتفالًا بعيد ميلاد التوأم، أرفقته بصور وثّقت مراحل طفولتهما منذ الولادة وحتى عامهما العاشر. صور لطفلين متشابهين في الملامح، متلازمين في اللعب، ومتشاركين في الفرح.

“كانا روحًا واحدة في جسدين”، تقول الغول. “إذا مرض أحدهما، يمرض الآخر. لم أتخيل يومًا أن يفترقا في هذا العمر”.

وفي منشور حديث، أرفقت الأم الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي، وكتبت: “لم أتخيل أن ألجأ للذكاء الاصطناعي ليجمع بين توأمي. كان من المفترض أن نحتفل اليوم بعيد ميلادكما، لكن كل واحد في مكان، ولم يعد أحدكما ظلّ الآخر”.

من الفرح إلى الركام

بعد أقل من شهر، تحلّ الذكرى الثانية للمجزرة التي غيّرت حياة العائلة إلى الأبد. في 12 فبراير/شباط 2024، استهدفت غارة إسرائيلية منزلهم في رفح، فاستشهد الزوج عبد الله أبو جزر، والابن الأكبر محمد (14 عامًا)، وجنان، إضافة إلى الجنين الذي كانت تحمله شيماء في شهرها التاسع.

قبيل الساعة الثانية فجرًا، استيقظت العائلة على أصوات القصف. لجأ الأطفال إلى والدتهم مذعورين، بينما كانت الطفلة مريم في منزل جدّها.

“ناوليني خمار الصلاة… حاسة حيصير إشي”، تقول شيماء. حاولت الاحتماء بالدعاء، لكن الصاروخ كان أسرع. انهار المنزل، وسقطت إلى الطابق الأرضي، واشتعلت النيران في قدميها.

“سمعت حذيفة يصرخ: أمانة يا عم ما تسيبني”، تروي الأم. “لم أسمع صوت جنان ولا محمد ولا زوجي… عرفت أنهم استُشهدوا”.

نجا حذيفة مصابًا، فيما نُقلت شيماء إلى المستشفى بكسور وشظايا. وعلى جدار المنزل، علِق جسد جنان بخمار صلاة تشبّث بأحد الأسياخ الحديدية، وبقيت بقع الدم شاهدة على الجريمة.

خاتمة بين صورتين

قبل المجزرة، كانت العائلة قد عاشت نزوحًا قاسيًا بعد استهداف منزلها في أكتوبر 2023، وانتقلت للعيش في مدرسة لأكثر من أربعة أشهر. وعادت إلى البيت قبيل المجزرة بأسابيع قليلة بسبب اقتراب موعد الولادة.

بعد الإصابة، جاء المخاض مبكرًا. خرج الجنين شهيدًا، بعد أن قطعت الشظية الحبل السري. “طلبت أن يسمّوه عبد الله، وأن يدفنوه في حضن والده”، تقول شيماء. “وعندما فتحوا القبر، كان مبتسمًا”.

بين صورة افتراضية أعادت جنان إلى الحياة للحظة، وصورة حقيقية علقت على جدار مدمّر، تعيش أمٌ فلسطينية عيد ميلادٍ بلا شموع، وذاكرة لا تُطفئها التكنولوجيا، ولا يخففها الزمن.

المصدر / فلسطين أون لاين