أُعلن في دافوس، وسط تصفيقٍ حارٍّ وعدساتٍ لامعة، عن تشكيل ما سُمّي بـ«مجلس السلام».
لحظةٌ أُريد لها أن تبدو إنجازًا سياسيًا، لكنها في الحقيقة عكست انفصالًا فاضحًا بين الخطاب الدولي المترف والواقع الدموي في غزة. فبينما كانت القاعات تعجّ بالنخب، كانت غزة تُستكمل فيها فصول التدمير، ويُترك شعبها وحيدًا في مواجهة الاحتلال والحصار.
غزة لا تحتاج إلى هذا السيل من المؤتمرات واللجان والمجالس التي لا وظيفة لها سوى تضليل الرأي العام الدولي، وصرف الأنظار عن جوهر القضية.
فكل هذه الأطر المصطنعة تلتقي عند نقطة واحدة: تجاهل المسبّب الحقيقي لما يجري، وهو الاحتلال الإسرائيلي. بدل تسمية الجريمة باسمها، يجري تسويق الأزمة كإشكالية إدارية أو إنسانية قابلة للحل عبر «مجلس» أو «آلية» أو «وصاية»، وكأن المشكلة ليست احتلالًا واستيطانًا وعدوانًا ممنهجًا.
الإعلان عن «مجلس السلام» لا يمكن فصله عن حالة الغرور والنرجسية السياسية التي تطبع أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث تُدار القضايا الكبرى بمنطق الاستعراض والصفقات، لا بمنطق العدالة والحقوق. دافوس، في هذا السياق، تحوّل إلى مسرح علاقات عامة، يُقدَّم فيه «السلام» كمنتج سياسي قابل للتسويق، فيما يُستبعد أصحاب الأرض، ويُغيب صوت الضحايا.
الأكثر سخرية، بل فجاجة، أن تُطرح إسرائيل – بوصفها القوة القائمة بالاحتلال والمسبّب المباشر لتدمير غزة – كجزء من «حل» أو كشريك في صناعة السلام.
أي مفارقة أخلاقية هذه؟ أن يتحوّل الجاني إلى راعٍ، والمحتل إلى ضامن، والضحية إلى عبءٍ إنساني يحتاج إدارة لا إنصافًا. هذا ليس سلامًا، بل إعادة إنتاج للجريمة بواجهة سياسية ناعمة.
«مجلس السلام» المعلن يفتقر إلى أي مضمون حقيقي: لا صلاحيات واضحة، ولا مرجعية قانونية دولية ملزمة، ولا التزام صريح بوقف العدوان أو إنهاء الاحتلال أو محاسبة المسؤولين عن الجرائم.
هو إطار فضفاض، صُمّم لتجاوز القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولقفزٍ متعمّد عن جوهر الصراع، وتحويل قضية تحرر وطني إلى ملف إداري قابل للتدوير.
التصفيق في دافوس لا يصنع سلامًا، بل يكشف عمق الأزمة الأخلاقية في النظام الدولي. السلام الحقيقي لا يولد في القاعات الفاخرة، ولا يُفرض من الخارج، ولا يُدار عبر مجالس وهمية.
السلام يبدأ حين يُسمّى الاحتلال احتلالًا، والجريمة جريمة، وحين تُعاد الحقوق لأصحابها.
وما دون ذلك، ليس سوى سخرية قاسية من قدر غزة، ومن عدالةٍ ما زالت مؤجَّلة.

