فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }                      القصص24

في قلب المحرقة الظالمة، حيث انقطع الماء وضاق الأفق بالعطش والدموع، تأبى أرواح أهل غزة الصمود إلا بواحد من أنبل أفعال الخير؛ سقيا الماء، ذاك النبع المقدس الذي يجري بالصدقات الطاهرة ويُروى به العطشى الصابرين، حكاية أبطال لا يهابون قصف الطائرات ولا رصاص القناصة، ينقبون في الأرض عن آبار الحياة، يشمرون عن سواعد العطاء بلا رياء ولا انتظار جزاء، كإمام الحي الذي بدموع الإيمان جلب الماء وأروى جموع الصامدين فارتقى شهيدًا في سبيل الرحمة. هنا، في طوابير الانتظار التي لا تنتهي، وفي كل قطرة تروى بها الأرض المحروقة، تتجلى معاني النبوة والصدق، وتتراءى صورة ذلك الفتى القوي الأمين الذي سقى الضعيفات بصمت تامٍّ، فكان ربه وكافيه وجزاؤه أسمى من الدنيا. إنها ملحمة عطش يتغلب عليها أبطال لا تُطفئهم النيران، ولا يكسرهم الجوع، بل ينابيع الإيمان تعينهم على الصبر، ويشهد لهم التاريخ بدموعهم وصمودهم: صدقة الماء هنا ليست مجرد سقاية، بل شهادة حياة ووصية إلهية تُروى على ألسنة الحصار، لتبقى غزة، رغم كل ما أصابها، منبع حياة لا ينضب، ووعد حق لا يُمحى.

الناس شركاء في الماء كما هم شركاء في النار والكلأ، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (الأنبياء: 30)، وسقيا الماء قمة عمل الخير والصدقة، بل دخل رجل الجنة بسقيا كلب. ومعركة الماء هي عنوان الملاحم البشرية المحتدمة والمستقبلية، وخير ما يُرزق المرء في نهاية الزمان ولد صالح قادر على جلب الماء لوالديه.

ومن اليوم الأول للمحرقة، حيث أعلن قادة عصابات الإبادة عن قطع الماء، ودمروا الآبار، وقطعوا خطوط نقله، لتموت غزة عطشًا، فلا تجد شربة ماء، بل لا تجد ماءً للنظافة حتى أصبح شرب الماء بحساب عسير، وانتقلنا من شرب ماء معالج إلى ماء مختلط بالصرف الصحي، واصطفت طوابير أهلنا لنيل جالون مياه؛ وكانت هي الأطول والأشد طوابير انتظار، حيث قد يحتاج الواحد منا ساعات نهار كاملة للحصول على جالون ماء واحد نظيف.

الإيجابيون، والباحثون عن الأجر، والمثبتون للناس في شمال غزة فضلًا عن جنوبها، يتسابقون إلى سقيا الماء، فمنهم من يتصدق لحفر بئر، ومنهم من يبحث عن بئر صالح فيه شيء من ماء في الحي، فيعمل على توفير طاقة شمسية ليخرج الماء من البئر، ومنهم من شمر عن سواعد الجد والعمل والخير والخدمة لأهله في إخراج الماء لطابور العطشى وأصحاب الحاجة، بل وَ{فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} (الأحزاب: 23) وهو يقوم بهذه المهمة الجليلة بقصف من العدو، ومنهم إمام مسجد الحي الحافظ لكتاب الله تعالى وأستاذ التفسير والأحكام، الذي قدم أبناءه شهداء، وقد أصابته حجارة سقطت على رأسه وهو يتطوع من بيته يخرج الماء من بئره ويسقي طابور الصامدين العطشى في شمال غزة، فارتقى شهيدًا في هذه المهمة الجليلة المقدسة.

{فَسَقَى لَهُمَا} (القصص: 24)، إنه فعل نبي من أولي العزم من الرسل، بصمت سقى لهما، لنساء ضعيفات لا يقوين على زحام الرجال، ولا ينبغي لهن، فبادر القوي الأمين: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص: 26).

{فَسَقَى لَهُمَا} (القصص: 24)، ليس سعيًا لشهرة أو بحثًا عن تلبية حاجة، {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} (القصص: 24)، بعيدًا عن الأضواء والرياء، وتوجه إلى الله تعالى بدعائه الدامع: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص: 24)، فكان جزاؤه عظيمًا في الدنيا والآخرة، حيث استُجيب له من فوره ببيت وزوجة وعمل؛ فكيف سيكون الجزاء لهؤلاء الرجال الذين رووا عطش غزة وأهلها في محرقة ظالمة؟

جزاهم الله خيرًا، وأحسن الله إليهم، وتقبل الله منهم وتقبلهم في صف الشهداء الأول، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله تعالى.

المصدر / فلسطين أون لاين