قبل أن يُشرق الصباح كاملًا، يكون محمد عدوان قد أشعل النار في فرنٍ حجري يعلوه برميلٌ حديدي، ثبَّته على حافة شارعٍ مُدمَّر غرب مدينة غزة.
وعندما تعلو ألسنة النيران وتبدأ تأكل بعضها، يضع الشاب البالغ (24 عامًا) قطع النايلون والبلاستيك فوق اللهب، ثم يتراجع خطوة إلى الوراء، ليس خوفًا من النار وألسنتها الملتهبة، بل خشيةً من الدخان الذي يعرف أنه سيخترق صدره.
من داخل البرميل الصدئ والمعلق أفقيًا، تتصاعد أبخرة خانقة تُسحب عبر أنبوبٍ معدني قبل أن تتكاثف وتتحول إلى سائلٍ داكن، يُسكب في حاوية نفايات صغيرة، حوَّلها عودة ورفاقه إلى مكانٍ للتجميع. هذا السائل الذي يشبه السولار والبنزين، صار الوقود الذي يعتمد عليه كثيرون في قطاع غزة لتسيير ما تبقّى من حياةٍ مشلولة.

في قطاع غزة، الذي تعرّض لحرب إبادة بدأتها (إسرائيل) يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انتشرت ورش حرق البلاستيك والنايلون، وصارت تُعرف باسم "كازية"، وخصِّصت لإنتاج ذلك السائل الشبيه بالوقود، ولاقت إقبالًا بعد تضييق الاحتلال الخناق على غزة إبّان الحرب التي امتدت عامين.
ومع استمرار الحصار الإسرائيلي، حتى بعد سريان وقف إطلاق النار يوم 10 أكتوبر 2025، ومنع إدخال كمياتٍ كافية من المحروقات إلى غزة، وغلاء أسعارها في السوق المحلية، استمر إنتاج الوقود الصناعي.
ولم تكن الورشة التي يعمل فيها عودة، وتطل على شاطئ بحر غزة مباشرة، موجودةً قبل الحرب، ورغم أنها صارت مصدر رزقٍ أساسي لقرابة 13 شابًا يعملون فيها على مدار الساعة، إلا أنها تثير الاستياء في صفوف المواطنين، لا سيما النازحين في خيامٍ قريبة لا تقيهم انبعاثات وسموم تلك الورش.

إلا أن عودة ورفاقه، وبعد أن تعطلت حياتهم وفقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب والحصار الإسرائيلي، لم يجدوا وسيلةً أخرى يعيلون بها أسرهم النازحة منذ أن دمر جيش الاحتلال منازلهم إبَّان الحرب، سوى العمل في الكازية وإنتاج الوقود.
"لم يكن خياري العمل في هذه الورشة، أنا مُجبرٌ عليها"، قال عودة لصحيفة "فلسطين"، وهو يفرك عينيه بيدين مليئتين بالسخام.
كل يوم، يقف عودة لساعاتٍ بجوار النار، دون قناعٍ واقٍ أو قفازات، يلسع الدخان عينيه، ويخترق حلقه، ويستقر في رئتيه، فيسعل عدة مرات قبل أن يواصل عمله.
يعترف هذا الشاب بأنه فقد الوعي ذات مرة خلال عمله، بعدما استنشق دخانًا كثيفًا اندفع من الفرن.
ولا يحظى عودة والعاملون معه في الورشة بقسطٍ من الراحة خلال العمل، إذ يستغلون أوقات الفراغ لجمع النايلون وقطع البلاستيك من تحت ركام المنازل المدمرة، وكذلك قطع القماش وأي شيءٍ قابل للاشتعال، لإيقاد النار في الفرن البدائي.
وبينما ينغمس هؤلاء الشبان في ورشةٍ تتعدى قدرتها الإنتاجية ألف لتر من الوقود الصناعي يوميًا، وفق عودة، يحذّر أطباء محليون من أن الأبخرة الناتجة عن حرق البلاستيك تحتوي على مواد سامة قد تسبب أمراضًا تنفسية مزمنة، وتلفًا في الجهاز العصبي، وربما السرطان على المدى البعيد.

لكن هذه التحذيرات، بالنسبة لعودة ورفاقه، حيث تُختصر خياراتهم بين الخطر والجوع في زمن الحرب والحصار الإسرائيليَّيْن، لا تلقى آذانًا صاغية.
وفي خِضَمّ حرب الإبادة، أغارت طائرات جيش الاحتلال على عدة ورش في محافظات القطاع الساحلي، ما أدى إلى استشهاد عدد من العاملين فيها، وإصابة آخرين.
وكان جيش الاحتلال دمّر، في حربه الدموية، محطات تعبئة الوقود في غزة والبنية التحتية الخاصة بها، ومنع وصول المحروقات حتى للمستشفيات، ما أدى إلى استشهاد عددٍ كبير من المرضى وجرحى الحرب، فيما يواجه الناجون من الإبادة ظروفًا معيشية صعبة بسبب الانتهاكات الإسرائيلية واستمرار الحصار.

