فلسطين أون لاين

تقرير الستينية العجرمي… نجت من القصف وفقدت الضوء

...
سيدة تجلس على ركام منزلها الذي قصفه الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية (الفرنسية)
غزة/ هدى الدلو

لم تحتمل الستينية سميرة حسان العجرمي فكرة النزوح؛ فالابتعاد عن بيتها في معسكر جباليا كان أقسى من أن يُحتمل، وترك الحي الذي عاشت فيه عمرها بدا لها اقتلاعًا للروح قبل الجسد.

في ذلك المكان كانت ذاكرتها: أصوات أبنائها، ووجوه الجيران، ورائحة القهوة في الصباح. لذلك، حين اشتد القصف وضاقت الخيارات، خرجت من بيتها لا هربًا إلى المجهول، بل باتجاه جمعية تُعنى بالأشخاص من ذوي الإعاقة قريبة من سكنها، علّها تكون أكثر أمانًا. رافقتها شقيقاتها، وزوجات أبنائها، وأحفادها الصغار؛ قافلة عائلية تحمل خوفها على أكتافها وتمضي على أمل النجاة.

تستعيد العجرمي تفاصيل ذلك اليوم، السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2024، بصوت مثقل بالألم، قائلةً لـ "فلسطين أون لاين": «كنا متواجدين معًا؛ أطفالًا ونساءً وكبار سن، لم يكن معنا سوى الدعاء، لكن الاحتلال الإسرائيلي أطلق قذيفة صاروخية علينا».

وفي لحظة واحدة، انقلب المشهد إلى فوضى من نار ودخان وصراخ. استُشهد عشرون شخصًا في المكان، من بينهم شقيقتاها، وأُصيب كل من بقي على قيد الحياة.

أُصيبت العجرمي في وجهها، وتحديدًا في عينها اليمنى، واخترقت الشظايا أنحاء متفرقة من جسدها. ظنّت أن أنفاسها الأخيرة قد حانت، «حسّيت الدنيا سكّرت، وما كنت شايفة إشي»، على حدّ قولها. لكن وسط ذلك الظلام، جاءها صوت حفيدتها المصابة يشق العتمة ويشدّها للحياة: «ستي يلا قومي، رجليكي ما فيهم إشي، خلّينا نشرد».

تمسكت الحفيدة بيد جدتها، ومشتا معًا تحت القصف. وبينما كانتا تجريان، قالت الطفلة بصوت مكسور: «ستي، إيدي مقطوعة»، فردّت عليها بعفوية الأم التي تحاول إنقاذ ما تبقى من طفولتها: «أوعي ترميها على الأرض، خليكي مسكاها». كانت العجرمي تجري وهي لا ترى شيئًا، حافية القدمين، تقودها غريزة البقاء وصوت حفيدتها فقط.

بعد تجاوز منطقة الخطر، اقترب الناس منهما وأسعفوهم، ونُقلوا إلى مستشفى كمال عدوان، غير أن نقص الإمكانيات كان حاضرًا بقسوة؛ إذ لم يتوفر أطباء عيون، فجرى تحويلها إلى مستشفى الشفاء، ثم إلى مستشفى الحلو الدولي، وبعدها إلى مستشفى الخدمة العامة. هناك فحص الطبيب عينها اليمنى ثم اليسرى، وقال لها الكلمات التي لا تُنسى: «بعوّض الله عليكِ يا حاجة». وأُجريت لها عملية جراحية.

وتقول العجرمي: «أقسى ما أعيشه اليوم ليس الألم الجسدي فقط، بل العجز الذي فرضته الإصابة عليّ». فبعد أن كانت تدير شؤون بيتها، وتعتني بأحفادها، وتتحرك بثقة في أزقة المعسكر، باتت تحتاج إلى من يقودها بيده. «ما بعرف الوجوه، الأصوات بس اللي بميّزها، لكن المشكلة الأكبر في قدرتي على قراءة القرآن»، تضيف بحسرة.

وتستيقظ سميرة كل صباح على حرقة في عينها المصابة، تحاول تنظيفها بقطعة قماش وماء فقط، في ظل غياب الأدوية. تخشى الغبار والهواء، لا سيما أنها لا تزال نازحة في خيمة بمدينة دير البلح، وتخشى أن تفقد ما تبقى من قدرتها على الإبصار، خاصة أنها تعاني مشكلات في عينها اليسرى.

وتكرر قولها: «لو في قطرة أو مرهم، كان الوضع أهون»، لكن الحصار ونقص المستلزمات الطبية جعلا أبسط حقوق العلاج رفاهية بعيدة المنال.

وتتحدث العجرمي عن حفيدتها التي كادت أن تفقد يدها لولا التدخل الطبي العاجل، قائلة إن الطفلة باتت تصحو من نومها فزعة، وبصعوبة تتمكن من تحريك يدها، وكأنها تخشى أن تسقط منها. «لسه بدها عمليات تجميل، ولسه الطريق طويل»، تقول الجدة.

ورغم كل ما مرّت به، لا تزال العجرمي تتمسك بخيط أمل رفيع؛ تحلم فقط بأن ترى وجوه أحفادها بوضوح مرة أخرى، أو على الأقل أن تتوقف الآلام.

المصدر / فلسطين أون لاين