فلسطين أون لاين

لحرف المرحلة الثانية عن مسارها

تقرير تصاعد القصف في غزة… تهيئة لسيناريوهات محتملة لاتفاق “هش”

...
خيام نازحين خلف كلية الرباط في مواصي خان يونس تعرضت لقصف إسرائيلي يوم 4 فبراير 2026
غزة/ يحيى اليعقوبي:
  • الحاج: القصف يُستخدم أداةً سياسيةً لتعديل شروط الاتفاق لا قرارًا بالعودة للحرب
  • أبو زبيدة: تطبيق لعقيدة إسرائيلية جديدة بالضربات المتواصلة وإبقاء المقاومة في حالة ارتباك واستنزاف

لا يمكن فصل موجات التصعيد الإسرائيلي المتزايدة وخروقاته المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار عن سيناريوهات محتملة تتعلق بالمرحلة القادمة، مع عرقلته الواضحة لتشغيل معبر رفح بوتيرة سريعة، والتحكم بالمساعدات، وإعاقة قدوم اللجنة الإدارية (التكنوقراط)، وهو ما يجعل تفجير الاتفاق أحد الأهداف الإسرائيلية المحتملة، أو يندرج ضمن سيناريو آخر يهدف إلى رفع كلفة التفاوض في ملفي السلاح والأنفاق، عبر الضغط بالنار لحرف مسار المرحلة الثانية عن الآلية المتفق عليها المرتبطة بالإعمار والانسحاب.

وبينما يُصعّد الاحتلال عمليات القصف الجوي في غزة، تزداد التهديدات الإسرائيلية الصادرة عن قيادات سياسية مختلفة بشأن احتمال عودة الحرب. ويرى خبيران تحدثا لصحيفة “فلسطين” أن ما يجري يرتبط بطبيعة عقيدة إسرائيلية جديدة تقوم على الضربات المتواصلة وإبقاء المقاومة في حالة ارتباك واستنزاف.

وتتشابه تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي طالب “الجيش بالاستعداد لاحتمالية عودة الحرب والقتال في غزة” الشهر الماضي، مع تهديدات مشابهة أطلقها تجاه حزب الله اللبناني في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حين قال إن “الجيش لن يتردد في العمل بقوة في لبنان إذا لم يتخلَّ الحزب عن سلاحه في نهاية العام”، دون أن يُترجم ذلك إلى خيار عسكري مباشر، ما يُبقي هذه التهديدات في إطارها التفاوضي.

رفع كلفة التفاوض

يقرأ المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج استمرار القصف بوصفه تصعيدًا محسوبًا ضمن سياق وقف إطلاق نار “هش”، وليس عشوائيًا.

وقال الحاج لصحيفة “فلسطين”: “يمكن تلخيص أهداف الاحتلال بسعيه الواضح إلى رفع كلفة التفاوض بالنسبة لحماس أو دفعها إلى تفجير الاتفاق، عبر فرض تفسير إسرائيلي لبنوده والضغط باتجاه ملفات محددة كالسلاح وترتيبات اليوم التالي، دون الالتزام بتعهداته، خصوصًا ما يتعلق بإدخال المساعدات وفتح المعابر”.

ويرى أن القصف يُستخدم أداةً سياسية لتعديل شروط الاتفاق، لا قرارًا بالعودة إلى الحرب، مع وجود مخاوف من تحوله إلى حرب فعلية إذا أصبح ممنهجًا ومترافقًا مع تعطيل المساعدات وإغلاق المعابر.

وبخلاف التهديدات الإسرائيلية المتكررة، يعتقد الحاج أن التصعيد الحالي يندرج جزئيًا في إطار حرب أعصاب، لكنه يحمل بعدين: تكتيك تفاوضي لانتزاع تنازلات سريعة، وتهيئة سياسية وعسكرية لاحتمال العودة للقتال إذا فشلت ترتيبات اليوم التالي، خاصة في ملف السلاح.

ويشير إلى أن الفارق بين الضغط النفسي والنية الفعلية سيظهر ميدانيًا؛ فبقاء القصف محدودًا يعني رسالة ضغط، أما توسعه وتغيّر نمطه مع ترتيبات لوجستية واضحة فقد يقود إلى انتقال فعلي نحو الحرب.

سياسيًا، يرى الحاج أن إقرار الموازنة بالقراءة الأولى يمنح حكومة نتنياهو هامش مناورة أوسع ويقلل خطر سقوطها الفوري، دون أن يعني ذلك سهولة العودة للحرب ميدانيًا أو إقليميًا أو دوليًا.

ويلفت إلى أن الاستعداد العسكري الإسرائيلي لسيناريو العودة للحرب كان قائمًا مسبقًا، وأن ما يجري يُستخدم ورقة ضغط خارجية وأداة تماسك داخل ائتلاف متوتر، مرجّحًا ارتباط القرار النهائي بتطورات الملف الإيراني بوصفه أولوية إسرائيلية.

ورغم طرح سيناريو العودة للحرب، يؤكد الحاج أن القرار لم يعد إسرائيليًا خالصًا في ظل وجود الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب راعيًا للاتفاق، ما يجعل أي حرب محتملة بحاجة إلى ضوء أخضر أمريكي أو تساهل منها، خصوصًا مع المسار السياسي المرتبط بالمرحلة الثانية وإعادة الإعمار، والتحضير لمؤتمر إعمار مرتقب في واشنطن يوم 19 من الشهر الجاري.

يعتقد الحاج أن الاحتلال لا يراهن على موافقة مفتوحة لحرب واسعة، بل على مرونة تكتيكية تسمح بضغط عسكري محدود تحت عناوين مثل ملف السلاح، مع تحميل حماس المسؤولية، والمراهنة على تعثر هذا الملف لتبرير أي تصعيد لاحق دون صدام مباشر مع واشنطن.

من جهته، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي د. رامي أبو زبيدة أن هذه الخروقات ليست مجرد تجاوزات فنية، بل تمثل تطبيقًا عمليًا لعقيدة إسرائيلية جديدة تقوم على فرض الإرادة بالاستخدام الدوري للقوة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقال أبو زبيدة لصحيفة “فلسطين”: “لا يمكن النظر إلى التهدئة الحالية بوصفها وقفًا كاملًا لإطلاق النار؛ فالاحتلال يستثمر فترات الهدوء القصيرة في جمع المعلومات وتحديث بنك الأهداف، ثم يختلق مبررات لتنفيذ ضربات مركزة دون انتظار اكتمال الجاهزية الإدارية أو التنظيمية للمقاومة، فيسعى لضرب أي نواة استقرار قبل اكتمالها”.

ويرى أن كثرة التهديدات الإسرائيلية لا تندرج في إطار الحرب النفسية فقط، بل تعكس عقيدة الضربات المتواصلة لإبقاء المقاومة في حالة ارتباك واستنزاف دائمين.

ويضيف أن استهداف المباني والخيام يندرج ضمن الكلفة التدميرية المقصودة، ليس لهدف عسكري مباشر، بل لإظهار أن كلفة البقاء في غزة ستكون أشد قسوة.

ويحدد أبو زبيدة ثلاثة مؤشرات للوضع الميداني وهي تحويل “الخط الأصفر” إلى قواعد ثابتة لتنفيذ الهجمات، وتطوير نقاط المراقبة لتصبح مراكز قادرة على تنفيذ اجتياحات، وإعادة تشكيل بنية الجيش بما يسمح بالانتقال السريع من التهدئة إلى الحرب الشاملة دون استدعاء واسع للاحتياط.

ويخلص إلى أن غزة تعيش حالة حرب مختلفة الشكل تُستخدم فيها القوة لفرض الإرادة، وتُستثمر الاتفاقيات لتثبيت مكاسب إسرائيلية، بينما تتحول غزة إلى مختبر لعقيدتها الأمنية والعسكرية.

ويؤكد أن ملفي السلاح والأنفاق يظلان عاملين قابلين لتفجير الاتفاق، خاصة في عام انتخابي إسرائيلي لا يريد فيه نتنياهو الظهور بمظهر المنسحب دون تحقيق أهداف الحرب، ما يرجح بقاء القطاع أمام موجات تصعيد متتالية.

المصدر / فلسطين أون لاين