فلسطين أون لاين

مجتمع الطوابير: كيف غيّرت المساعدات بنية الكرامة الاجتماعية؟

في غزة، لم يعد الطابور مجرد وسيلة تنظيم،
ولا لحظة عابرة في زمن الطوارئ،
بل تحوّل إلى مشهد يومي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع.
الطابور لم يعد مكان انتظار،
بل حالة نفسية–اجتماعية.

من الإغاثة إلى نمط الحياة

في كل الأزمات الكبرى، تظهر المساعدات كفعل إنقاذ عاجل.
لكن الخطر يبدأ حين تطول الأزمة،
ويتحوّل الاستثناء إلى قاعدة.

في غزة:

الطابور لم يعد مؤقتًا
والمساعدة لم تعد طارئة
والانتظار لم يعد مرحلة.. بل بنية حياة
الناس لا تقف لأنها اختارت ذلك،
بل لأنها مُجبرة على النجاة ضمن شروط مفروضة.

الطابور كمساحة لإعادة تشكيل الكرامة

الطابور ليس محايدًا نفسيًا.
فيه تتشكّل مشاعر معقّدة:
- القلق من النفاد
- الخوف من التنمُّر
- المقارنة الصامتة
- الغضب المكبوت
- والإحساس بأن الكرامة أصبحت مشروطة

في الطابور، لا يقف الإنسان بوصفه صاحب حق،
بل طالب فرصة.

وهنا يحدث التحوّل الأخطر:

تبدأ الكرامة بالانزلاق من حق إنساني
إلى امتياز مؤقت.
حين تُقاس القيمة بالدور لا بالإنسان

مع الوقت، يتغيّر الوعي الجمعي دون إعلان:

من يحصل يُنظر إليه كـ "محظوظ"
من لا يحصل يشعر بالأسى
من يعرف الطريق يُكافأ اجتماعيًا
ومن يُستبعد يلوم نفسه
وهكذا: لا تُقاس القيمة بما أنت عليه،
بل بمكانك في الطابور.
هذا ليس خللًا فرديًا،
بل تشوّهًا في العدالة الاجتماعية.

هل هذه الظاهرة جديدة؟ لا.

 لبنان بعد الحرب الأهلية

في سنوات الإغاثة الطويلة:

تحوّلت المساعدات إلى مرجع أساسي للبقاء

نشأت ثقافة “الدور” و”المعرفة”

وتآكل الإحساس بالحق العام

التعافي لم يبدأ إلا عندما:

انتقلت الدولة من الإغاثة إلى الحقوق

وأُعيد بناء الخدمات على أساس المواطنة لا الإحسان

 البوسنة بعد الحصار

الطوابير الطويلة للمساعدات:

خلقت شعورًا جماعيًا بالمهانة

ودفعت كثيرين للانسحاب الاجتماعي

الدراسات اللاحقة أظهرت أن:

الضرر النفسي لم يكن في الفقر وحده

بل في فقدان السيطرة والكرامة

 رواندا بعد الإبادة

الإغاثة كانت ضرورية،

لكنها أُعيد تنظيمها سريعًا ضمن:

- نظم مجتمعية

- توزيع قائم على الكرامة

- ومشاركة محلية

- الهدف لم يكن فقط إطعام الناس،لابل منع تطبيع الاعتماد والإذلال.

المساعدات: ضرورة.. ولكن

لا يمكن إنكار أن المساعدات في غزة:

- أنقذت أرواحًا

- ومنعت مجاعة

- وخففت انهيارًا شاملًا

لكن المشكلة ليست في المساعدة،

بل في غياب أفق الخروج منها.

حين تصبح المساعدة:

- بديلًا عن الحق

- أو أداة ضبط اجتماعي

- أو نظامًا دائمًا

فإنها – دون قصد –

تعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها.

الكرامة ليست رفاهية مؤجلة

في الخطاب الإنساني،

غالبًا ما تُؤجَّل الكرامة باسم "الضرورة".

لكن التجارب العالمية تثبت:

المجتمعات التي تُهان طويلًا لا تتعافى بسهولة، حتى بعد انتهاء الأزمات.

الإنسان الذي يتكيّف مع الإذلال:

- يفقد ثقته بالمستقبل

- ينسحب من الفعل العام

- ويُعيد تعريف نفسه كناجٍ لا كفاعل

وهذا أخطر من الفقر ذاته.

كيف يمكن تفكيك مجتمع الطوابير مستقبلًا؟

التجارب المقارنة تشير إلى مسارات واضحة:

- الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق الحقوق

- نظم توزيع تحترم الخصوصية والكرامة

- شفافية تقلّل المقارنة والإذلال

- إشراك المجتمع في القرار لا وضعه في الصف

الأهم:ىأن لا نُقنع أنفسنا أن هذا “طبيعي”.

خاتمة

الطابور في غزة

ليس دليل فقر فقط،

بل دليل تحوّل عميق في البنية النفسية والاجتماعية.

المساعدات ضرورة، لكن المجتمع لا يمكن أن يُبنى على الانتظار وحده.

وغزة، التي قاومت كل محاولات كسرها، لا يجوز أن تُختصر في صف طويل أمام كيس نجاة.

المصدر / فلسطين أون لاين