{وَتِلكَ نِعمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَن عَبَّدتَ بَني إِسرائيلَ ﴾ الشعراء22
في قلب الظلام الحالك، حيث تشتعل محرقة غزة بنيران الألم والدم، يقف شعب فلسطين شامخًا كالجبل الصامد في وجه العواصف، لا يرضى أن يكون سوى أسدٍ في أرضه، لا قطيع عبيدٍ يُذلّ ويُهان، ولا ظلٍ يتلاشى بين أنقاض وطنٍ محتله. هنا، في هذا الركام، يُكتب التاريخ بدم الشهداء وعزيمة الأحرار، الذين لا يعرفون سوى الكرامة والتضحية، يرفضون أن تُسرق أرضهم أو تُطمس هويتهم، يختارون الموت حرّةً على حياة الذل والخنوع، صامدين في وجه المحتل الغاصب الذي يحاول إطفاء نورهم، ولكن مهما طال الليل، فالفجر قادم لا محالة، وعد الله الحق الذي يُشرق على هذه الأرض المقدسة، حيث يُمحى الظلم ويُقام العدل، ويزول الاحتلال إلى غير رجعة، ويبقى شعب فلسطين حيًا أبياً لا يُقهر، يحمل لواء الحق والنصر، ويرسم مجده بأحرف من نور لا تنطفئ أبداً.
يريد الاحتلال من شعب فلسطين أن يكون قطيعًا من عمال السخرة، يعيش على أرضه لكنه مستعبدٌ فيها، يمضي نهاره عاملاً في حقول المحتل وبيوته ومؤسساته وطرقه ومغتصباته، ثم يأوي إلى فراشه في نهاية يومٍ طويل، ليحصل على قوت يومه وربما يُسمح له بتحسين ظروف سكنه في بيتٍ قرميديٍّ في زقاقٍ بمخيم اللاجئين. وعليه أن ينسى ولده الذي قتلته رصاصاتهم الغادرة في الانتفاضة، وأن يسلم باعتقال شقيقه لعقودٍ بتهمة مقاومة المغتصب، وأن يتبرأ من جاره الذي بُترت قدمه بفعل رصاص المحتل الغاصب، وألا يتواصل مع أهله في الشتات، الذين طُردوا من أرضهم ومنعوا من العودة بقوة السلاح، بينما يُمنح يهود الأرض، القادمون من شتى أصقاع الأرض، "حق العودة" إلى أرضٍ يدّعون أنهم خرجوا منها قبل آلاف السنين.
استوطن الأغراب الذين لا يجمعهم لونٌ ولا جنسٌ ولا طائفةٌ ولا لغة، في عملية إحلالٍ قمعيٍّ جماعيٍّ بزعم أن "فلسطين أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض"، فكان هذا الاحتلال الاستيطاني الإحلالي أسوأ ما أفرزته البشرية، إذ طرد شعبًا كاملًا، ثم لاحقه بالقتل والموت والدمار والاعتقال والطرد والآلام والجراح النازفة.
منذ نكبة 1948، ولمدة ثمانية عقود تقريبًا، يمارس يهود عقيدة "الجويم" الاستئصالية ضد شعب فلسطين العريق: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (آل عمران: 75)، في عملية إبادةٍ ممنهجة. وتريد عصابات الإبادة من شعب فلسطين ثلاثة خياراتٍ لا رابع لها: التغيب بالعمل بالسخرة أجراء عبيدا مملوكا للمحتل أو التغييب بالاعتقال والحشر والطرد أو الموت دون إزعاج صوت على مزاج يهود دون أن ينبس ببنت شفة مستسلما ودون أن يكون له دية، وجواب شعب فلسطين على مدار عقود النكبة واليوم في محرقة غزة وشمالها تحديدا سنموت كما نريد أعزاء شهداء شامخين على أرضنا ولن نهجرها ولن نستسلم أو نعود إليه {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (القصص: 85)

