فلسطين أون لاين

غزة..مأساةٌ تفوق الطبيعة وتوقيعٌ صريح على إبادة جماعية

توقفوا عن تسمية الشتاء في غزة "بكارثة طبيعية"؛ توقفوا عن ترويض اللغة لتلائم برود المشهد. ما يحدث خلف سياج الوجع ليس غضباً من السماء، بل هو إبادة جماعية مستمرة، تُصاغ فصولها بآلات القتل والحصار.

بينما تقرأ هذه الكلمات، تجتاح الأمطار الغزيرة بقايا ما كان يسمى "قطاع غزة". الفيضانات لا تغسل الغبار فيه، بل تمحو أثر الخيام الهشة، تاركة مئات الآلاف مكشوفين أمام بردٍ قاتل، يحصد الأرواح بصمت يشبه صمت القبور. ووفقاً لتقارير "الأونروا"، فإن جيش الاحتلال لا يزال ينهش أكثر من نصف القطاع، ومحكماً قبضته على المعابر ليمنع دخول مستلزمات الايواء والإعمار.

لكن، وثمة "لكن" تذبح القلب؛ إذا كنتم تظنون أنّ المأساة تنتهي عند حدود الخيام الغارقة، فأنتم لم تبصروا بعدُ "الموت الكامن" تحت الأسقف المتصدعة. إننا نواجه اليوم تهديداً هندسياً قاتلاً؛ فالمباني التي لم تسقط بالقصف، باتت اليوم "قنابل موقوتة" تنتظر قطرة مطر واحدة لتنفجر ركاماً فوق رؤوس ساكنيها.

هندسة الموت:

من الناحية العلمية والهندسية، فإن غزة ليست مجرد ركام؛ إنها مختبر حيّ للانهيارات الإنشائية غير المسبوقة. تشير التقارير الإنشائية إلى أن 70% من الوحدات السكنية في غزة فقدت هويتها المعمارية.

هندسياً، تلك المباني التي صُنفت ذات "أضرار جزئية بليغة" هي الأخطر على الإطلاق. لقد تعرضت هذه الهياكل لاهتزازات عنيفة ناتجة عن القصف المجاور، مما أفقدها ما يقارب 30% إلى 50% من قدرتها على تحمل الأحمال؛ فالقواعد الخرسانية تكسرت تحت الأرض بفعل التفجيرات، والآن، يقع الحمل كاملاً على "حديد التسليح" المنهك، الذي يتآكل في هذه اللحظة بفعل الرطوبة والمياه دون أن تراه العين.

المطر في غزة ليس ماءً، إنه "ثقل إضافي" قاتل؛ فمياه الأمطار تزيد الأحمال الرأسية على الأسقف، خاصة بعد فقدان الجدران الساندة، وتشرُّب المواد "المسترطبة" كالرمل للمياه، مما يحول السقف إلى حِمل ثقيل لا يقوى الهيكل المخلخل على حمله.

صرخة من قلب مكلوم:

تخيلوا عمارة سكنية حاول سكانها تدعيمها بأعمدة حديدية بدائية. هذه العمارة بلا أعمدة في طابقها الأرضي، وبقايا طوابقها العليا تترنح في الهواء. وبجوارها عمارة أخرى مائلة، وسكان كلتا العمارتين يرفضون الإخلاء.

يقول لسان حالهم: "عن أي حياة داخل الخيام تتحدثون؟ هل تريدوننا أن ننتقل إلى مدافن تسمى خياماً؟ حيث الخصوصية مفقودة، والأمراض تنهش أجساد صغارنا؟ سنبقى هنا، بين جدراننا، حتى لو كانت قنابل موقوتة، فالموت تحت السقف أهون من الذل تحت الشوادر."

هذا هو حال الغزيين؛ إنهم ليسوا "مغامرين" بحياتهم، بل هم بشرٌ ضاقت بهم الأرض بما رحبت، ففضلوا "أنين المبنى" على "عويل الريح" في الخيام التي لا تقي حراً ولا برداً.

كيف يتعايش الغزيون مع ما تبقى من بيوتهم المتضررة؟

أمام تعنت الاحتلال ومنع دخول "الكرفانات" ومواد البناء، لا يملك الإنسان في غزة إلا وعيه وإيمانه، فيقوم للحفاظ على حياته بالتالي:

1. منع الثقل القاتل على السطح

● تصريف المياه فوراً من فوق الأسطح المتشقة وعدم انتظار توقف المطر، فكل متر مربع من الماء يضيف وزناً هائلاً.

● فتح المزاريب والتأكد أن الركام لا يسد فتحات التصريف.

● عزل الشقوق عبر استخدم "النايلون" فوق الشقوق الكبيرة لمنع وصول الماء لحديد التسليح، ويتم تثبيت النايلون بالحجارة.

2. حماية الأساسات

● حفر قنوات تصريف صغيرة حول جدران المنزل الخارجية لتوجيه الماء بعيداً عن الأساسات.

● ردم حفر الصواريخ القريبة بالتراب ودكّها جيداً لمنع تسرب المياه تحت الأساسات.

3. توزيع الأحمال داخل المنزل

● إزاحة الأثاث الثقيل بمحاذاة الجدران أو تحت "الجسور" (الكمرات) الخرسانية فهي النقاط الأكثر صموداً.

● الابتعاد عن البلكونات المتضررة فهي أول ما يسقط.

4. تدعيم الاساسات المتضررة: بأعمدة حديدية بدائية.

ربما تؤخر هذه الاحتياطات الانهيار السريع لبعض المباني، ولكن الحقيقة وفقًا لهندسة الانشاءات أنّ جميع هذه المباني يجب أن تزال فورًا، قبل أن تنهار بشكل مفاجئ.

لذلك يتجسد الحل في صرخة عالمية تفتح المعابر لإدخال الكرفانات ومواد الإعمار فوراً. فالمطر الذي يحيي الأرض في كل مكان، يهدد بإماتة الإنسان في غزة.

أغيثوا غزة.. قبل أن يتحول الأنين إلى صمت مطبق.

المصدر / فلسطين أون لاين