فلسطين أون لاين

تقرير معركة بقاء وسط الدَّمار... سكَّان غزَّة يرفضون "واقع الخيمة" ويحوِّلون الرُّكام إلى مأوًى

...
معركة بقاء وسط الدَّمار... سكَّان غزَّة يرفضون "واقع الخيمة" ويحوِّلون الرُّكام إلى مأوًى
غزة/ محمد القوقا:
  • · أبو عيّا يجابه اليأس بيديه ويحوّل حديد منزله المدمر إلى أثاث للبقاء
  • · بركة يقارع الحصار بـ"الطينة الحمراء" ويؤسس لـ"هندسة البقاء"
  • · استشاري يحذر من ألغام خفية تحت الركام
  • · مهندسة معمارية ترسم خريطة طريق لتحويل الدمار إلى مواد بناء جديدة
  • . مسؤول حكومي: إعادة تدوير الركام "منحة للبنية التحتية" رغم التحديات

تحت وهج شمس شتوية باهتة، وفي صمت لا يقطعه سوى أصوات الطرق المتواصلة على الخرسانة، يقف عطوة أبو عيّا (42 عاماً) وسط ما كان يوماً شارعاً سكنياً في حي بطن السمين بمدينة خانيونس. تحول المشهد الآن إلى سهل ممتد من الركام والغبار. يرفع أبو عيّا مطرقة ثقيلة ويوجهها بإصرار نحو كتلة خرسانية متحجرة؛ هدفه الوحيد استخراج قضبان حديد التسليح الملتوية المدفونة تحت أنقاض منزله المدمر، والتي باتت تمثل له ولأسرته شريان حياة جديد.

يقول أبو عيّا لصحيفة "فلسطين"، بينما يمسح عرقه الممزوج بغبار الإسمنت الناعم: "كان هنا بيتنا. طابقان، وذكريات عمر. انهار في غمضة عين كالكثيرين. عشنا أشهراً في خيمة من قماش، تهبّ بها الرياح الشتوية القارسة ويغمرها المطر. لم نعد نطيق الانتظار. فجاءت الفكرة ببساطة: نكسر الخرسانة في بيتنا المهدم، ونستخرج الحديد، ونبني به شيئاً يحمينا من العواصف".

هذا المشهد، الذي يجسد أقصى درجات المرونة البشرية في مواجهة المأساة، لا يقتصر على أبو عيّا. فهو يتكرر آلاف المرات يومياً عبر أحياء وقرى ومخيمات قطاع غزة، الذي تحولت مساحات شاسعة منه إلى مشهد أشبه بسطح قمرٍ مقفر، تتناثر عليه جبال من الأنقاض. هنا، في ظل انعدام شبه كامل لمواد البناء التقليدية بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر وشمولية الدمار وتعطل كافة منافذ الإمداد، يحاول السكان خلق حلول من العدم، مستخدمين أي شيء يمكن أن يوفر حماية من برد الشتاء أو حر الصيف.

حجم الدمار: أرقام تفوق الخيال

يأتي هذا الجهد الفردي المحفوف بالمخاطر في ظل حصيلة دمارٍ هائلة وكارثية، يصفها الخبراء والمحللون بأنها "غير مسبوقة في السرعة والحجم منذ الحرب العالمية الثانية". فقد أعلنت الأمم المتحدة في يناير 2026 أن ما بين 82% إلى 85% من جميع المباني في القطاع قد تدمرت أو تضررت، بما يعادل 370 إلى 380 ألف وحدة سكنية. ويعيش حوالي 1.7 مليون شخص في حالة تشرد. وبلغت كمية الركام نحو 80 مليون طن، وهي كمية قد تستغرق إزالتها أكثر من 15 عاماً في سيناريو متفائل.

هذا الرقم الهائل أكده المهندس محمد عبود، مدير عام الإعمار بوزارة الأشغال العامة والإسكان بغزة، في تصريحات خاصة لصحيفة "فلسطين". وأوضح عبود أن "هذه الكمية تقريبية، وقد تزيد بعد إكمال الحصر التفصيلي والدخول إلى المناطق الحمراء غير القابلة للوصول حاليًا." وأشار إلى أن التعامل مع هذا الملف "يعتمد على خبرات تراكمت خلال السنوات الماضية"، وأن الوزارة باشرت بإعداد تقييم أولي للمنشآت السكنية غير الصالحة للسكن منذ بداية الحرب.

حلول البقاء

في خيمة مدعمة بقضبان حديدية أقيمت فوق أرضية منزلهم السابق، يحوّل أبو عيّا وأفراد أسرته الحديد المستخلص من الأنقاض، بعد تقويمه بطرق بدائية، إلى عناصر حياتية أساسية: سرير معدني بسيط، وكنبة مصنوعة من إطارات حديدية وقطع قماش، وخزانة ملابس مشكلة من قضبان ملتوية.

72d73e10-7def-411d-89dc-9c3f75a80384.jpg
 

"كل قطعة حديد هنا كانت جزءاً من عمود أو سقف بيتنا"، يقول أبو عيّا وهو يشير بيد متشربة بالأوساخ نحو المنتجات البدائية. "لا نملك مالاً لشراء حديد جديد حتى لو وجد في السوق. فكل قرش نجمعه يذهب للطعام. هذه خطوتنا الوحيدة: نعيد تدوير دمارنا بيدينا، خطوة خطوة".

وليس بعيداً عن موقع أبو عيّا، ينشط سلامة بركة (38 عاماً)، الذي كان "مقاول بناء" قبل الحرب. الآن، تحولت مهنته إلى "خبير في البناء من الركام". يستخدم طاقم عمل بركة أدوات بدائية لا تتعدى ميزان ضبط الحجارة، ومطرقة، وأزاميل، ومقصاً يدوياً لتقطيع الحديد. وبغياب الإسمنت تماماً من السوق، يعتمد على خلطة محلية تسمى "الطينة الحمراء"، وهي مزيج من التراب والماء والقليل من الجير إن وجد، لربط الحجارة التي يستخرجها وينقّيها يدوياً من بين الأنقاض.

"لا يوجد لدينا معدات ثقيلة، ولا كهرباء تشغل أي آلة"، يقول بركة بينما يقف أمام حائط غير منتظم الشكل بدأ في تشييده. "نحن نكسر الخرسانة بأيدينا، ونرفع الحجارة بأيدينا، ونبني بأيدينا. نحاول بناء جدران، لكننا نخشى أن تتجاوز ارتفاع المتر أو المترين، فبدون أساسات حقيقية وإسمنت، أي عاصفة قوية أو أي هزة – ناجمة عن قصف بمكان قريب– قد تسقطها".

379a7c83-00fc-47e7-81e8-f5c34e5b7c45.jpg
 

حلول مؤسسية واستفادة من الركام

على المستوى الرسمي، يرى المهندس محمد عبود أن هذه الكمية الهائلة من الركام "يمكن تحويلها إلى منحة للبنية التحتية والإعمار". وأوضح أن لدى الوزارة "خبرة سابقة في إعادة تدوير الركام، بالتعاون مع مؤسسات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)." وأضاف: "يتم استخدام الحديد المستخرج من الركام في مشاريع البناء غير الحاملة مثل الجدران البسيطة والأرضيات، وأيضًا في رصف الشوارع والطرق."

وأشار عبود إلى أن بعض المؤسسات قد بدأت بالفعل بتنفيذ مشاريع إعادة التدوير، لكنها ما زالت في مراحلها الأولى. وحول متطلبات النجاح، قال: "عملية معالجة الركام تحتاج إلى آليات ثقيلة مثل البواقر والشاحنات والكباشات، والكسارات لتحويل الركام إلى حبيبات أصغر للاستفادة منها." مشيراً إلى أن الوزارة تستفيد من تجارب دولية مثل تركيا ومصر، إضافة إلى التجارب السابقة في قطاع غزة خلال الحروب الماضية.

ويوضح بركة أن هذا النشاط لم يعد محصوراً ببناء مساكن بدائية فحسب، بل تحول إلى مصدر رزق هش للبعض. "بعد توقف إطلاق النار الأخير (في أكتوبر 2025)، بدأنا نشهد طلباً من الناس الذين يريدون أي سقف فوق رؤوسهم. نستخرج البلوكات السليمة نسبياً من ركام بيوتهم، ونبني لهم غرفة صغيرة. كما نقوم بإعادة بناء محلات تجارية صغيرة، ونغطي الأسقف بألواح الزنكو والنايلون المتهالك. إنه بناء للبقاء، ليس أكثر".

في الموقع ذاته، يشير عبود الهندي إلى مكان كان عبارة عن مجمع تجاري مكون من خمس محلات: "عندما بدأت الحرب غادرنا المكان. عندما عدنا وجدناه مدمراً. الآن نحاول إعادة البناء باستخدام الزنكو بسبب عدم توفر الإسمنت".

تحذيرات من مخاطر العمل وسط الركام

قال المهندس محمد عدنان سكر، استشاري السلامة والصحة المهنية، إن العمل بين أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة يُعد من أخطر بيئات العمل حالياً، بسبب الانهيارات الثانوية والغبار السام والمخاطر الخفية تحت الركام، في ظل غياب أدنى معايير السلامة.

وأوضح أن كتلًا خرسانية قد تبدو مستقرة لكنها قابلة للانهيار المفاجئ، محذراً من العمل أسفل الأجزاء المعلقة أو المتصدعة، ومشدداً على ضرورة الفحص البصري للموقع. كما أشار إلى أن غبار الخرسانة، بما يحويه من السيليكا والمعادن الثقيلة، يشكل خطراً تنفسياً كبيراً، داعياً لاستخدام الكمامات الواقية وترطيب الركام بالماء.

وحذر سكر من الإصابات الناتجة عن الحديد المكشوف والأدوات البدائية، إضافة إلى مخاطر الذخائر غير المنفجرة، مؤكداً أن دوافع البقاء لا تبرر تجاهل إجراءات السلامة أو تعريض الأرواح للخطر.

تحديات كبرى أمام إعادة التدوير المنظم

على الرغم من الرؤية المتفائلة رسمياً، فإن الطريق نحو مشروع وطني لإعادة التدوير محفوف بتحديات كبيرة. وحول هذا، حذر المهندس محمد عبود من أن "التحديات الأساسية تكمن في نقص المعدات والآليات الثقيلة، ما يستدعي تسهيل دخولها عبر المعابر. كما أننا نحتاج إلى تخصيص أراضٍ للكسارات إذا تم الدخول في مناطق أوسع شرق قطاع غزة بعد الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار".

هذه التحديات تتفق مع ما ذكرته المهندسة هنادي ديبه، خبيرة التصميم المعماري في غزة، في تصريحات لصحيفة "فلسطين"، حيث وصفت المحاولات الفردية لإعادة استخدام الركام بأنها "مفهومة في سياق البقاء، لكنها من منظور مهني لا يمكن أن تكون حلاً مستداماً أو آمناً دون تنظيم وتدخل تقني." وأكدت ديبه على إمكانية تحويل الكارثة إلى فرصة، لكن بشروط، قائلة: "تحويل الركام إلى مواد بناء ممكن هندسياً، لكنه مشروع معقد."

وأشارت إلى أن أبرز التحديات هو "النقص الحاد في الكسارات والمعدات الثقيلة والطاقة الثابتة، وعدم توفر مساحات آمنة للتجميع والمعالجة وسط البيوت المدمرة، وإشكالية الحوكمة بسبب غياب جهة واحدة ذات صلاحيات واضحة لتقود الملف."

رسالة أمل من تحت الدمار

عبرت ديبه عن نظرة تفاؤلية رغم الصعاب، مؤكدة: "ما نراه اليوم من دمار ليس فقداناً نهائياً، بل هو مادة خام لحياة جديدة — لو عولجت ونظمت بشكل صحيح. هذا الركام الذي يذكر الناس بخسارة المنازل يمكن أن يصبح أساساً لطرق جديدة، وطوباً لبناء أماكن للعيش."

وفي ختام تصريحاته، وجه المهندس محمد عبود رسالة للمواطنين مفادها أن: "بالرغم من المعاناة وخطر الركام المتناثر، إلا أنه يمكن تحويل هذا الركام إلى منحة للبنية التحتية والإعمار في حال توفير المعدات والآليات اللازمة، بما ينعكس إيجابًا على قطاع غزة في الأشهر القادمة."

وختمت ديبه برسالة محفزة: "الركام ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. في كل تجربة عالمية ناجحة، كانت الخطوة الأولى هي القرار والنية، وبعدها تأتي التقنية والتنظيم."

المصدر / فلسطين أون لاين