فلسطين أون لاين

تقرير على ركام غزَّة... حياة لا تشبه الحياة (صور)

...
على ركام غزَّة... حياة لا تشبه الحياة
غزة/ نبيل سنونو:

بعد الفجر بقليل، يبدأ الروتين اليومي على الركام. لا منبّه هنا، بل بردٌ يتسلل من الحجارة، أو مطر يتسرب من الخيمة، أو صوت حركة خافتة يوقظ عائلة كاملة تستعد ليوم جديد.

خلف أقمشة بالية على ركام منزل وسط مدينة غزة، تحاول عائلة حجازي المشردة قسرا من منطقة الشعف شرقا، دفع عجلة حياة متوقفة منذ أن بدأت حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

باكرا، بدأ عصام حجازي (53 عاما) جمع "الكراتين" تمهيدا لحرقها، وإعداد كوب من القهوة. يقول لصحيفة "فلسطين": لا نقدر على شراء الحطب، ولا نستطيع الحصول على الغاز.

هكذا يمرّ الصباح في الشارع، حيث لا خيار سوى التكيّف مع واقع لم يختره، ولكن فرضته الحرب التي سلبت منه "منزل العمر"، وبات يقع ضمن ما يسمى "الخط الأصفر".

photo_2026-01-18_20-23-53 (7).jpg
 

photo_2026-01-18_20-23-53.jpg
 

العيش على الركام، يعني أن تتعرض إلى الانزلاق في أي لحظة، كما حدث مع حجازي، الذي كساه الشيب، وحاول بأدوات بسيطة تسوية مساحة من الأرض لإقامة خيمة عليها، لكن أكوام الحجارة لا تزال في المكان.

"زي ما انت شايف هي الركام. لا بنعرف نطلع ولا ننزل. دار مهدومة، شايف المعاناة؟ حياة مأساوية"، اندفع حجازي في شرح معاناته.

على وقع صرخة بريئة من طفلة في ربيع عمرها، قطع الرجل حديثه. انطلق إلى مصدر الصوت. تلك الطفلة جرحت بطرف حجر، تعثرت به. هذا تحديدا أحد مخاطر العيش هنا، فوق الركام.

نكأ ذلك "جراح" حجازي، الذي كانت كلماته كصرخة مدوية: "بيكفينا القوارض". في تلك اللحظة، تحسست ابنته نورا يد طفلتها.

photo_2026-01-18_20-23-54.jpg
 

تقول نورا لصحيفة "فلسطين": إن يد طفلتها الناعمة، تعرضت للعض من فأر. عندما استيقظت لاحظت يدها تنزف، وتحمل آثار "سنين". هرعت بها إلى المستشفى وبدأت هناك رحلة جديدة من "الهم".

لكن القوارض لم تكتف بعض يد الطفلة. ثقبت أكياس الطعام من دقيق وعدس وأرز.

تعتقد نورا، أنه "طالما هناك ركام، ستكون هناك قوارض".

التقشف في المياه

على زاوية الطريق، تتكدس جالونات المياه التي يتسابق أفراد العائلة على تعبئتها من إحدى المدارس القريبة، مشيا على الأقدام، وإلا فإنهم لن يجدوا ماء للشرب، أو حتى الغسل.

لكن تعبئة المياه غير متاح يوميا، لذا فإن العائلة، التي لا تملك خزانا مناسبا، تتقشف في استخدام المياه.

في هذا المكان الذي تعيش فيه ثلاث أسر من عائلة حجازي، دورة مياه بدائية واحدة، محاطة بالأقمشة، وتخلو من الأدوات الصحية.

على بعد خطوات، كانت "أم مالك" حجازي تكافح لتنظيف الملابس التي تغسلها يدويا. "زي ما انت شايف الأولاد بيروحوا يجيبوا مية مالحة، وبقعد أغسل هنا". تقول لصحيفة "فلسطين".

تسلقت "أم مالك" الركام للوصول إلى حبال نشر الغسيل. لكنها مرحلة لا تخلو من احتمالات اتساخ الملابس بالركام والغبار والأتربة.

photo_2026-01-18_20-23-53 (2).jpg
 

قبيل الظهيرة، بدأت علامات الجوع ترسم نفسها على الوجوه. اتجهت الأنظار إلى الوجبة اليومية: البقوليات. هذا ما تتيحه طرود المساعدات الغذائية.

على مائدة صغيرة يستخدمنها كـ"مجلى"، تخوض النسوة صراعا من نوع مختلف. الطهي بلا مطبخ، ولا أدوات، ولا غاز.

تقول أم مالك: نطهو بمعاناة. تضطر إحدانا إلى انتظار الأخرى حتى تتفرغ المواعين القليلة، أما الحطب فحكاية أخرى من المعاناة مع وجود الأطفال.

طفولة سليبة

في هذا المكان، انشغلت طفلة بقذف الحجارة، وأمسك آخر بـ"طرية" يزيح بها بعض الركام.

photo_2026-01-18_20-23-55 (2).jpg
 

مالك هو أحد هؤلاء الأطفال. يفترض أنه يدرس في الصف السادس، لكنه بدلا من ذلك يؤدي مهاما أخرى، فقد استيقظ على محاولات توفير مياه الشرب والغسل، ثم باشر التنظيف حول الخيمة.

وبعدها، أحاط الخيمة بالرمال لئلا تتسرب إلى أرضيتها مياه الأمطار.

يقول مالك: الالتحاق بالمدارس يحتاج رسوما دراسية لا نستطيع تسديدها.

لذلك، يحرم مالك من المدرسة، واللعب، والطفولة. يقول عمه عصام: كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا تتبنى الطلبة، الآن تغير الوضع.

شقيقة مالك ذات الملامح القمحية والنظرة العفوية، تجلس على حجر بهدوء. هي ضحية للعيش على الركام. تعاني الطفلة من تضخم في الكلى، وضعف في المناعة، وتتأثر بالبيئة غير الصالحة للحياة من حولها.

"أقل فيروس بتلقطه أول وحدة في المكان. وكل أولادنا مرميين من الإنفلونزا". الحديث لـ"أم مالك".

حياة معطلة

عصرا، يحاول الجميع انتزاع لحظات استراحة من "معركة الحياة"، بزيارة اجتماعية، أو قسط من النوم.

يتوجه عصام إلى أصدقائه، لتبادل أطراف الحديث. يقول: كل يشكو همه. الحرب عطلت حياتنا، وأخذت منا كل شيء. حرب على الإنسان والبنيان.

قبل مغادرته، نظر إلى الركام. تخيل بيته المدمر وعصفت به الذكريات التي جمعته مع أمه وأبيه في كل شبر منه. كان الجميع مذهولا من جمال منزله، المحاط بالزراعة، واليوم بات هو مذهولا من واقعه.

تحمل نظرته وجع أصحاب أكثر من 288,000 وحدة سكنية دمرها الاحتلال كليا، ومئات آلاف الوحدات الأخرى جزئيا أو بشكل بليغ غير صالح للسكن، خلال الحرب، حسبما يقول المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي د.إسماعيل الثوابتة لصحيفة "فلسطين".

يعود حجازي من "دردشاته" مع أصدقائه، إلى خيمته مجددا، رفيقا قسريا للركام، الذي ينام بين جنباته، ليستيقظ على يوم آخر يضاف إلى مسلسل المعاناة.

على الركام الذي يتراوح حجمه حتى نهاية عام 2025 -وفق الثوابتة- بين 65 و70 مليون طن في غزة، نتيجة التدمير الإسرائيلي المتعمّد لعشرات آلاف المنازل والمنشآت والمرافق الحيوية، يصعب تخيل صناعة الحياة من العدم، وكيف يعيش رجال ونساء وأطفال دورة حياة لا تشبه الحياة، لكنه حال قرابة مليوني مواطن في غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين