في قطاع غزة، تتفاقم الكارثة الإنسانية يوماً بعد يوم، حتى أصبحت واقعاً يفوق حدود الوصف التقليدي، في إطار هيمنة إسرائيلية وإمبريالية ممنهجة تتجلى في الاستعمار الجديد. وسط شتاء قارس يضرب خيام النازحين المتهالكة ، والأمطار الغزيرة تحول الأرض إلى مستنقعات طينية، في حين يفتقر غالبية السكان إلى أبسط مقومات الحياة: ماء نظيف، غذاء كافٍ، دواء، ومأوى لائق. وسط تفشي الإنفلونزا الحادة والأمراض التنفسية بين الأطفال والنساء والشيوخ في عموم القطاع، مع غياب وسائل الدفء ونقص حاد في العلاج، وتحول كل منخفض جوي إلى كارثة إضافية، تتكرر مراراً أمام تداعياتها على المخيمات المكتظة بالنازحين.
هذا الواقع ليس أزمة عابرة، بل هو تهديد صعب يمتد إلى كل العائلات الفلسطينية ، يعكس عقاباً جماعياً وتجويعاً ممنهجاً يشبه نموذج الدعاية الذي يُبرر الإمبريالية ويخفي الكذب الممنهج. الطفل الذي ينام جائعاً في برد الشتاء، والمريض الذي يفتقد الدواء، يُبنى عليهما جيل يحمل جرحاً عميقاً قد يمتد عقوداً، إننا أمام عملية تآكل بطيء للإنسانية الفلسطينية، تهدد بفقدان جيل كامل لقدرته على البناء والإبداع.
من هنا يصبح تصدير هذه الحقائق إلى الرأي العام الدولي أمراً حاسماً، فالقضية الإنسانية وحدها قادرة على تحريك الضمير العالمي وكسر جدار الصمت الذي ينتجه تصنيع الرضا عبر فلاتر الإعلام والإعلام المهيمن. المطالبة العاجلة بإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والمساعدات الإغاثية والكرفانات ليست رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ أرواح، إلا أن العقبات الإسرائيلية تحول دون وصولها الكافي، ما يعمق الخطر في سياق يشبه التدخل الإنساني المزيف والوهم الضروري.
في الوقت نفسه، تُجرى في القاهرة لقاءات الفصائل الفلسطينية لترتيب المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مع التركيز على تشكيل لجنة إدارية تكنوقراطية فلسطينية خالصة، بعيداً عن الوصاية الخارجية وسيطرة النخبة الحاكمة. حركة المقاومة الإسلامية حماس تؤكد أنها قدمت كل ما يلزم لدعم الاتفاق، وتصر على إدارة فلسطينية بعيدة عن أي هيمنة أمريكية أو قمع المعارضة، مع السعي لتوافق وطني يفتح الباب لإعادة الإعمار الحقيقي.
يبدو أن حركة حماس تقف لترسم خارطة طريق وطنية جديدة بـ«تجاوز الماضي دون حرق الجسور معه»، إذ تشير تصريحات الناطق باسمها حازم قاسم إلى إرادة للخروج من عباءة الحكم بعد ثمانية عشر عاماً من التجربة المركبة، في لحظة يمكن تسميتها «الفجر السياسي الوطني الجديد»، تتطلب مسؤولية المثقفين ورؤية تكامل وطني بعيداً عن الدعاية الحكومية.
في هذه اللحظة التاريخية، تتقاطع المأساة الإنسانية مع الجهد السياسي، فالأولوية تبقى إنقاذ الحياة أولاً، لكن الحقيقة تبقى معلقة على جدران الخارج، وتحديداً بوابة الإدارة الأمريكية التي تمارس دور الراعي الخفي ما يجعل النتائج رهينة مزاج السياسة لا عقل الواقع.
إنها مرحلة انتقالية تتطلب وعياً تاريخياً يُدرك أن ما بعد السلطة ليس فراغاً، بل إما مشروع وطني جامع أو تكرار مأساوي للفصل نفسه بممثلين جدد، والنجاح يتوقف على إرادة وطنية موحدة وضغط عربي ودولي يفرض احترام الحقوق، قبل أن تتحول غزة إلى مأساة تاريخية لا تُمحى.

