{ وَلَا تَجَسَّسُوا } (الحجرات: 12)
الخيانة بالعمالة مع المحتل الغاصب ليست زلّة عابرة ولا خطيئة فردية، بل جريمة مركّبة تطعن الدم والهوية والعقيدة معًا، ونقضٌ صريح للعهد مع الله والوطن. كيف لا، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}، ويُحذّر بوضوح: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. فالخيانة ليست فقط سقوطًا أخلاقيًا، بل انحدارًا إلى دركٍ لا قيام بعده.
إن العميل لا يكون مجرد فردٍ ضال، بل يتحوّل إلى خنجرٍ مسموم يُغرس في ظهر شعبٍ ما زال يصارع من أجل كرامته وحريته، ومن أجل القدس وأقصاها. وهؤلاء ليسوا إلا طابورًا خامسًا وأدواتٍ قذرة بيد المحتل، وقد حسم القرآن الموقف منهم بقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وقوله جلّ شأنه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
لقد باع الخونة دماء الشهداء وأحلام الأمة بثمنٍ بخس، تحت سطوة الترهيب أو غواية الترغيب، غير مدركين أن مكرهم سيرتد عليهم، كما قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}. ومن هنا، لم تكن مواجهة العملاء خيارًا تكتيكيًا، بل واجبًا شرعيًا ووطنيًا لحماية ظهر المقاومة وصون المجتمع من الانهيار الداخلي.
ومنذ عام 1948، انتهج الاحتلال الصهيوني سياسة الإسقاط كأحد أخطر أسلحته، مستغلًا ضعف البشر وحاجاتهم، في ممارسة لاأخلاقية لا إنسانية. وفي مقابل ذلك، خاضت المقاومة الفلسطينية معركة أمنية شاقة، امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، فكانت اليقظة، والكتمان، وبناء الثقة الداخلية، جزءًا أصيلًا من مفهوم القوة.
وجاءت معركة طوفان الأقصى لتشكّل ملحمة أمنية كبرى، أربكت منظومة الاحتلال، وحرمتها من القدرة على الاستشعار المسبق، وأكّدت أن من ينصر الله ينصره الله، كما وعد سبحانه: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
وفي محرقة غزة المستمرة، ورغم الجغرافيا الصغيرة المكشوفة، والمراقبة الأمنية العالمية، فشل الاحتلال في الوصول إلى قادة المقاومة ورجالها، ولم يحصد إلا أعدادًا محدودة من الأسرى، في هزيمة أمنية مدوّية. ومع هذا العجز، لجأ إلى تكثيف محاولات الإسقاط، مستغلًا الوجع والدم، غير أن صفوف المقاومة بقيت أصلب من أن تُخترق، لأن الله مع الصابرين.
ومن هنا، فإن النداء الصادق إلى أبناء شعبنا يتجدد: تحصّنوا بالله، وامتثلوا لأمره الواضح القاطع: {وَلَا تَجَسَّسُوا}. فالتجسس خيانة، والخيانة عاقبتها خسران الدنيا والآخرة، وقد بيّن القرآن مآل أهلها: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}. وحتى من أحسن الظن بالعدو، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، لم يُترك فعله دون عتاب، ليدرك المؤمنون خطورة تسريب المعلومة في معركة مصيرية.
إنها معركة وعيٍ قبل أن تكون معركة سلاح، وامتحان صدقٍ قبل أن تكون مواجهة ميدان. {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}، ثبتوا فلم تُسقطهم المحارق، ولم تنل منهم أدوات الإسقاط، لأنهم علموا أن الله لا يضيع من نصره.
أما الخونة، فليعلموا أن الله قال كلمته الفصل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}، وأن الجزاء آتٍ لا محالة: {سَيَجْزِيهِمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
فطوبى لمن صان العهد، وحفظ الظهر، وسار في طريق التحرير صابرًا صادقًا، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .

