﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ الشعراء83
رفع سقف التوقع من أهل غزة، الذين يعيشون في محرقةٍ لا تُحتمل، ليس مجرد حلمٍ عابر أو أماني متواضعة، بل هو حقٌ يُستحق بفضل الله وكرمه، وبحجم التضحيات الجسام التي يقدمها هذا الشعب العظيم بكل فخرٍ وثبات، حيث أن العاقبة لن تكون إلا عظيمةً، عظيمةٌ كعزيمتهم وصلابتهم التي تهز عروش الظالمين. غزة اليوم ليست فقط ساحة معركة، بل هي شعلةٌ تضيء دروب التغيير في منظومة عالمية ظالمة، وهي نبراسٌ يشعل الثورة في قلب العالم العربي الذي يزحف مستلهمًا من صمود غزة ومقاومتها الأسطورية، فغزة الأسطورة هي نقطة الانطلاق نحو التحرير الكامل لفلسطين، تحقيقًا لوعد الله الذي لا يخلف، وتحققًا للبطولة والتضحية التي توثقها دماء الشهداء وصمود الأبطال. في قلوب أهل غزة الصامدين تسمع لغة اليقين التي لا تنحني، إيمانٌ مطلق بأن الله معهم لا يغادرهم، بأن هذه المحنة ليست إلا وعد نصرٍ قريب، وأن السكينة التي أنزلها الله تملأ قلوبهم لتثبتهم على الحق، وهم الذين لا يظنون بربهم إلا خيرًا. غزة لم تُخلق لتسقط أو تستسلم، بل لتكتب ملحمة الإيمان والصبر، ملحمة التاريخ التي تقول للعالم إن الظلم إلى زوال، وإن وعد الله للمظلومين آتٍ لا محالة، وبعون الله ستُكتب نهاية المحرقة بفتحٍ عظيمٍ يشهد له العالم.
رفع سقف التوقع من أهل غزة عمومًا، الذين يعيشون المحرقة، من نتائجها، وأنه لن تكون عاقبة غزة يسيرة، هو توقع يليق بفضل الله وكرمه، ويليق، من ثم، بحجم التضحيات وعظيم الثمن الذي تدفعه غزة بكل من فيها، وأن العاقبة لن تكون إلا شيئًا كبيرًا.
غزة تضع العالم أمام مشهد تغيير كبير في منظومته الدولية الظالمة، وفي عالمها العربي الذي سيعيش تغييرًا كبيرًا مستلهمًا من غزة وجهادها ومقاومتها وصبرها. غزة الأسطورة، وجهتها فلسطين، التي تقف ملحمة غزة فيها على أول طريق التحرير الكامل، تحقيقًا لوعد الله تعالى، وانسجامًا مع وقائع الكارثة والبطولة التي تحياها غزة العزة.
في حديث أهل غزة الثابتين المرابطين، خاصة في غزة وشمالها، تسمع لغة يقين تعجب من مصدرها، في ثقة مطلقة بالله تعالى، ويقين جازم {إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40)، و"إن الله لن يضيعنا"، وتختفي في لغة أهل غزة {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} (الأحزاب: 10)، بل يكررون: "لا نظن بربنا إلا خيرًا". إنها السكينة العجيبة التي يصبها الله في قلوب الناس {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} (الفتح: 4)، وهم الذين يمنحهم ثباتًا راسخًا {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} (إبراهيم: 27).
واللغة المستخدمة من أهل غزة جميعًا أن الله جل جلاله أغير على عباده ودمائهم البريئة بأطفالهم ونسائهم {يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ} (القصص: 4)، وأن هذه الجريمة مكتملة الأركان في هذه المحرقة السادية المقززة التي تجاوزت كل حدود الإنسانية والقيم والأخلاق والقوانين الدولية والشرعية.
كان يوسف عليه السلام يعيش المحنة بكل قسوتها، وآيات الله تنبئه {يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (يوسف: 4)، وتتجلى آيات الله {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} (يوسف: 56). وكان سقف الطموح لسليمان عليه السلام عاليًا في دعائه لله تعالى {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} (ص: 35)، وكذلك يرتفع سقف توقع غزة وأهلها في دعائهم وابتهالهم إلى الله تعالى أن يكتب لغزة وأهلها ومجاهديها نصرًا وعزًا وتحريرًا وفتحًا عظيمًا، ويمكن لهم في الأرض {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} (الفتح: 18).

