فلسطين أون لاين

"إسرائيل" ومنهج المماطلة الإستراتيجية

في المسرح الكبير للجرائم الإسرائيلية، تستمر المعادلة الصفرية التي يفرضها المشروع الاستعماري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. ما يجري هو ليس مجرد صراع عادي، بل هو صيرورة تاريخية من المماطلة والالتفاف على الحقوق الفلسطينية ومئات القرارات الدولية الأممية والحقوقية التي دعت لوقف الجرائم الإسرائيلية ومصادرة الأراضي، لكن الأمور على الارض تُدار بعقلية الأمر الواقع العسكري، وتُغلف أحياناً بخطاب دبلوماسي إسرائيلي أجوف. الفجوة بين خطاب السياسة الدولية وبين الوقائع على الأرض لم تعد مجرد فجوة، بل أصبحت هوّة استراتيجية تكشف عن تناقض جوهري في بنية النظام الدولي نفسه.

داخلياً، بدأت بعض الأصوات في إسرائيل تدرك عمق "المأزق الوجودي" الذي تخلقه سياسة الاحتلال والاستيطان. فصحفية مثل عميرا هاس، أو كاتب مثل ديفيد غروسمان، يقدمون شهادات على "الانهيار الأخلاقي" الداخلي والتآكل البطيء لشرعية الدولة، محذرين من أن الأمن الحقيقي لن يُبنى على القوة العسكرية وحدها، وأن سياسات نتنياهو تدفع بإسرائيل نحو مزيد من العزلة الدولية و"الشرخ المجتمعي" الداخلي.

أما الرعاية الأمريكية المتعاقبة للعملية السلمية، من عهد ريغان حتى ما سُمي بـ "صفقة القرن"، فقد ظلت في جوهرها تجسيداً لـ الدبلوماسية الأحادية والوعي الزائف. هذه المبادرات، رغم تغليفها بلفافة السلام، كانت تُصاغ في الغرف المغلقة لواشنطن وتل أبيب، مع تغييب كامل للإرادة الجمعية العربية والفلسطينية. لقد تبنّت، في الصميم، السردية الأمنية الإسرائيلية واختزلت الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني كحق العودة والسيادة على القدس إلى مجرد بنود تفاوضية قابلة للتصفية. وهكذا، تحولت في الوجدان العربي من أطراف حل إلى أدوات لـإعادة إنتاج الاستلاب نفسه.

واللافت أن الآلية الإسرائيلية للتعامل حتى مع هذه المبادرات الموالية، لا تخرج عن منطق التكتيك التراجعي أو المماطلة الاستراتيجية. فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعاملت مع هذه الخطط باعتبارها غطاءً سياسياً مؤقتاً، بينما ظلت تُنفذ على الأرض سياسة خلق الوقائع الجغرافيةالديموغرافيةالاستيطانية. إنها عملية تفكيك منهجي لفكرة الدولة الفلسطينية، تحت غطاء من المفاوضات التي لا تنتهي، محوّلة الخطابات الدولية إلى أوهام ورقية في مواجهة خرائط واقعية للتوسع.

وتكمن المأساة الكبرى في هذا الفصل المتعمد بين الخطاب والواقع، الذي أنتج حالة من الاستنزاف المفتوح فهو استنزاف للوجود الفلسطيني، بفعل تشظي الجغرافيا والذاكرة، وتراجع إمكانية التحقق السياسي. وهو في الوقت ذاته استنزاف لمصداقية الولايات المتحدة كوسيط، حيث يكشف التناقض بين قدرتها على فرض التوازنات العسكرية وعجزها أو عدم رغبتها في فرض توازن الحقوق، عن أزمة شرعية عميقة في دورها.

أما الخطر الأعمق، فيتمثل في استمرار الكيان الإسرائيلي نفسه في حالة صراع وجودي دائم. فبرغم كل المظلة الأمنيةوالدعم غير المشروط، يبقى هذا الكيان غارقاً في أزمة شرعية قانونية وأخلاقية متصاعدة، ومواجهاً لتحديات ديموغرافية هي بمثابة القنبلة الموقوتة داخل أسطورته عن نفسه. إنه تناقض ديالكتيكي قد يقوده إلى تحولات جذرية لا يمكن توقع تبعاتها.

هذه "الحلقة المفرغة" تُجسد المأزق المركزي للصراع فالولايات المتحدة، القادرة نظرياً على كسر الجمود، تختار حصر دورها في إنتاج الخطاب، دون توظيف أدوات الضغط الفعلية. إنه إشارة ضمنية للطرف الآخر بالمضي قدماً في سياسة خلق الوقائع، كاشفاً أن اللعبة الكبرى في المنطقة لا تزال محصورة في حسابات الهيمنة الآنية، عاجزة عن توليد رؤية تحررية حقيقية.

النتيجة الحتمية هي استمرار الصيرورة المأساوية، وتراكم المعاناة في قطاع غزة ، وتآكل أي مركز أخلاقي في النظام الدولي. إنه استنزاف للتاريخ نفسه، يدفع ثمنه الفلسطيني في مخيمات النزوح غالياً في واقع الاغتراب اليومي بعد الحرب الدموية التي ارتقى خلالها ما يزيد عن٧٠ ألف شهيد، مئات آلاف الجرحي بينما يبدو العالم عاجزاً عن تجاوز تناقضاته. والسؤال المصيري الذي يفرض نفسه: متى يولد الوعي التاريخي الجديد، القادر على كسر هذه الديالكتيكا العدمية وفتح أفق لمستقبل مختلف؟ سؤال يظل معلقاً، بينما تدور عجلة المماطلة والالتفاف.

المصدر / فلسطين أون لاين