فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

‏﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} القصص6-5

سلوك فرعون اليوم في محرقة غزة هو تجسيد لشر قديم يتجدد، يذبح الأبناء ويستحي النساء، ويرهب بالعنف والحقد، ظانًّا أن بالإرهاب والقهر يستطيع أن يُغير مجرى التاريخ، لكن إرادة الله سبحانه وتعالى لا تُقهر، وهي التي تُسطر أسمى دروس الصمود والنصر في صفحات التاريخ، كما فعل مع موسى عليه السلام وقومه المستضعفين. فالمستضعفون اليوم في غزة، كأولئك الذين وعدهم الله بأن يكونوا أئمة ووارثين للأرض، يحملون مشعل الحق وسط نيران الظلم، ويقفون شامخين رغم القهر، حامليْن الأمل الذي لا ينطفئ، ومعلنين بأن عهد الاستضعاف انتهى، وأن زمن الانتصار آت لا محالة، لأن الله غالب على أمره، وكتبه قد انجلت قبل أن تُكتب معركة اليوم، ففرعون وأمثاله مهما علا جبروتهم، هم في النهاية جسد مهزوم أمام إرادة الله الغالبة.

سلوك فرعون هو سلوك النتن في محرقة غزة في مواجهة إرادة الله تعالى، وذلك بأن {يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ} (القصص: 4)، لأنه يخشى المستقبل الذي يعلم تمامًا أنه ليس له، ويحذر جنوده من موسى عليه السلام: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (غافر: 26)، كما يفعل فرعون العصر النتن اليوم، حين يدّعي أن حماس هي داعش، وأن غزة "حيوانات بشرية"، وأنها تشكل تهديدًا على الإنسانية، وأنه يقود حربًا لإبادتها باعتبارها طليعة "محور الشر"، بينما يزعم أنه يمثل "محور الخير" بعجمه وعربه في مواجهة محور الشر في المنطقة.

نشأ موسى {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (طه: 39) في بيت فرعون، وصولًا إلى إنقاذه والمؤمنين من بني إسرائيل، بينما يغرق فرعون أمامهم، وينجيه الله ببدنه فقط: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} (يونس: 92)، ولكن فرعون العصر لم يتعظ، وفرعون التاريخ أمامه ببدنه.

الله تعالى، قبل ولادة موسى عليه السلام، يعلم المآل والنتيجة: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} (القصص: 5)، إذاً هي مشيئة الله الغلابة بالمسار المؤدي إلى النصر والتمكين، ليس لبني إسرائيل وفق نص الله تعالى، وإنما {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} (القصص: 5)، وهي قاعدة عامة للمستضعفين من أصحاب الحق، الذين يقاتلون رغم قلة ذات اليد ما استطاعوا.

ومشيئة الله تعالى الغلابة تحمل الصيغ الجمعية القاهرة: "نريد" "نمكن" في مواجهة فرعون صغير قزم مهزوم في كل عصر بصيغة المفرد، رغم ما يبدو عليه من جبروت وقسوة: "يستضعف"، وضد المدنيين، ونتيجة ذلك حتمية: {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21)، وسيتم الأمر بتحرير فلسطين والتمكين للمستضعفين: {وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} (القصص: 6)، {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8).

إنها إرادة الله الغلابة "ونريد"، وفرعون والنتن وأمثالهم إرادة مهزومة، وهم رهن المشيئة العليا: {كُن فَيَكُونُ} (الأنعام: 73)، والله يريد للمستضعفين أن يكونوا ليس مجرد ناجين، بل مستخلفين وأئمة وقادة أعزة، ولهم الأرض المقدسة، والنتيجة معلنة قبل انطلاق المعركة، بل قبل ولادة موسى عليه السلام.

إنها رواية متكررة ومعروضة على مدار التاريخ "نريد"، للتجدد بأنه حدث متكرر، وهي للذين استُضعفوا وليس لبني إسرائيل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} (النور: 55)، وهو وعدٌ قاطعٌ جازمٌ بالتمكين، وإبدال الخوف أمنًا، وسنة ماضية: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (النور: 55)، ويبدل خوفهم أمنًا بقدرته، ويمنحهم بالاستخلاف سلطة وقوة، ليحقق فيهم شروطها: إصلاح وعمارة وعدل وأمان.

المصدر / فلسطين أون لاين